الأنصار والأعداء!!

32

حسن العاني /

بخلاف ملايين البشر الذين يعشقون السفر، ويجدون فيه متعتهم المفضلة، لما فيه من خروج على إيقاع الروتين اليومي المدمر، ولما فيه من تجديد للنشاط وترويح للنفوس المتعبة، هذا غير كونه مدرسة راقية لشتى فنون الثقافة والمعرفة التي تقدمها البلدان للمسافرين والسياح مجاناً.. فأنا لا أميل الى السفر ولا يستهويني، سواء كان داخل حدود الوطن أم خارجها، وأتحاشى متاعبه ومفاجآته، ولكن طبيعة عملي الصحفي فرضت عليّ السفر الاجباري، والتجول من زاخو الى الفاو لإجراء تحقيقات أو مقابلات أو لقاءات مع هذا المسؤول أو ذاك المثقف أو الأديب أو الفنان او العالم، ولا بد إن ذاكرتي تختزن الكثير من المواقف والمفارقات وعجائب الزمان!!
واحد من أغرب الحوارات التي أجريتها كان مع مسؤول حكومي بدرجة (مدير) وذلك في عام (1996)، والغرابة لا تكمن في موقف معين أو في نوعية الأسئلة والأجوبة، وإنما في شخصية الرجل نفسه، فقد كان أشبه بإنسان آلي، يسمع السؤال ويرد عليه من دون أن يتحرك جسمه، أو يرمش له جفن، أو يهتزّ شارب.. ويتحدث من غير توقف كأنَّه يحفظ كلامه عن ظهر قلب.. ثم يسكت فجأة، وكأن شحنة بطاريته قد نفدت، وأكاد أقسم بأنني توهمت أكثر من مرة أن من يتكلم هو إنسان آلي مئة بالمئة!!
إبن آدم حرٌّ في اختيار شخصيته الانسانية، بين أن يكون “طبيعياً” كما ولدته أمه، ويتحمل الضيم والظلم والقهر وربما الموت، وبين أن يكون “آلياً” مسيّراً بالريمونت.. وينعم بنعيم السلطة وخيرها وفتاتها.. المهم في ذلك المشهد هو أنني سألته عما إذا كانت هناك مشاريع لدائرته قيد الانجاز، أو تنوي تنفيذها في القريب العاجل.. أجابني بطريقته الآلية “هناك 70 مشروعاً جاهزاً للتنفيذ، وسوف نباشر بها بعد انقشاع غمامة الحصار الظالم – وشرح لي طبيعة تلك المشاريع التي هي عبارة عن 70 داراً سكنيةً للمسنين” وتوقف فجأة عن الكلام على عادته.. ولا أدري لماذا سوّلتْ لي نفسي الأمارة بالسوء – برغم أنني زجرتها فلم تمتنع – وقلت له “أستاذ.. ان مثل هذه المشاريع لا تتأثر بالحصار، كونها لا تحتاج الى الاستيراد”، وليتني لم أنطق بحرف واحد، فقد قاطعني غاضبا وقال لي بالنص الحرفي وبطريقته الآلية طبعاً “سؤالك هذا تشويش على مسيرة الحزب والثورة، ويتعارض مع توجيهات السيد الرئيس!!” وسكت، فاعتذرت في الحال وجسمي يرتعش وراجعت سؤالي مراجعةً موضوعيةً فلم أجد ما يشير الى أنني ضد توجيهات السيد الرئيس (حفظه الله ورعاه) – حتى مع نفسي ذكرت هذه العبارة.. ولهذا سارعت وانتقلت الى سؤال آخر كيفما اتفق، وأنهيت اللقاء على عجل!!
في عام (2005) شاءت المصادفة كذلك أن التقي الرجل للمرة الثانية، كان لا يزال في منصبه الوظيفي (مديراً) – سمعت أنه على صلة وطيدة بأحد الاحزاب المتنفذة التي زعمت للناس وشركاء العملية السياسية أنَّه كان يتعاون معها في السر – ولم يعرفني من حسن الحظ، وعمدت الى إعادة السؤال القديم نفسه، فأجابني بطريقته المعهودة “هناك 70 مشروعاً جاهزاً للتنفيذ، وسوف نباشر العمل بها بعد إجراء الانتخابات”، وسوّلت لي نفسي السيئة الأمارة بالسوء، وسألته عن علاقة الانتخابات بإنجاز المشاريع؟!
إلا أنه قاطعني غاضباً بطريقة الانسان الغاضب “أنت من أنصار صدام ولن أسمح لك بالاساءة الى مسيرة ثورة نيسان المجيدة!!” وسكت، فاعتذرت في الحال وجسمي يرتعش، لأن تهمة أنصار صدام أسوأ من تهمة أعداء صدام!!