الأهوار في الكلمات

59

بيان الصفدي /

أظن أني زرته أول مرة، برفقة الشاعر كمال سبتي، الذي كان يضجرني بثرثرته وعدوانيته تجاه زملائه، لكن علاقته بحسب كانت طيبة، ويعدُّه واحداً من حراس معبد الشعر.
في شارع السعدون مقابل كهرمانة دلفت بشوق إلى (المرايا)، وكنت أعرف حسباً من خلال الصور منذ قصائده في الآداب اللبنانية.
عرَّفنا كمال بعضنا ببعض، وقدمني إلى جلساء كنت أعرف منهم يوسف نمر ذياب، وأذكر من الآخرين صلاح الأنصاري وسليم السامرائي، وهم الدائمون في جلسة الظهيرة مع حسب.
تململ الشاعر باهتمام ومودة، وظهرت على وجهه ملامح ابتسامة مكتومة، ورحب بكلمات مقتضبة.
كان وجهه أسمر محتقناً، وكأنه موشك على الإجهاش بالبكاء، وبشفتين ممطوطتين إلى الأمام.
كنت أحمل معي مجموعتي الأولى (ويطرح النخل دماً) فقدمتها إليه، فراح يقلبها بصمت، ثم نطق كلمة وكررها: جميل جميل.
بعد حديث متنوع من الجلساء، ونمائم طريفة حول الأدباء والصحافة، غادرت معتذراً عن مواصلة “البرنامج” المسائي لهم، وفرحت أن حسباً قال لي إنه يسعده أن أنضم إلى جلساتهم الظهرية في أي وقت.
على الرغم من الهدوء الجليدي لحسب، شعرت بالطيبة والكرم والذوق والتميز والمحبة تغلف هذا الشاعر الجنوبي الحزين، وكنت أعرف أنه قد ضعف أمام وحشية السلطة، وتعرض إلى الشماتة والسخرية، بل للهجاء من شاعر معروف.
عندما تكررت لقاءاتنا تأكدت أن حسباً شديد العناية والدراية باللغة العربية، تلفته المتانة البنائية لدى أي شاعر، ويضيق بالهلهلة والركاكة إذا ما تسللت إلى قصيدة شابة، وهذا ما جعله بعيداً -إلى حد ما- عن الأصوات الشابة في ذلك الوقت، لأنه شديد الالتصاق بالثقافة التراثية واللغة والموسيقى الشعرية.
يندر أن تراه مبتسماً، حتى إن أحد الشعراء قال لي إن الجلوس مع حسب يصيبه بالكآبة.
وعرفت، بعد أن توثقت صداقتنا، أنه قليل التدبير في أموره الشخصية، فقد أصرّ مرة أن أذهب معه ليشتري بعض الملابس، وعندما ذهبنا إلى بيته كان لا يحسن فتح علبة او تحضير مائدة، وقلت في نفسي:
كيف أمضى سنوات في موسكو إذاَ؟!!
بعد الحرب العراقية الإيرانية صارت لقاءاتنا شبه يومية في المرايا. وكتبت له قصيدة (حسب الشيخ جعفر) المنشورة في مجموعتي (دقات القلب) وفيها أقول:
“حسبْ/ من يقيم حواراً مع الكأس/ هذا دم فوق كل الموائد/ يا نخل أرض العراق أترضى؟/ حسبْ/ من يشدّ يداً فوق عمر تقضّى/… بعينين دامعتين يرى الذكريات.. النساء.. الرجال.. البيوت.. القرى.. الأمنياتِ.. السنين التي تنحني/ ويلوذ / ويشرب كأساً على وطنٍ/ من دمٍ/ وورقْ.”.
وكانت تمر حالات نادرة عندما نكون وحدنا يتحول فيها إلى حكَّاء لا يتوقف عن الحديث والتكرار، فأحسست أن وراء صمته حالة نفسية عميقة كان يهرب فيها من بركان مدفون في داخله من تجارب قاسية، وذكريات طاحنة.
كما عرفت أنه عاشق غريب ونادر، حيث يتراءى لي أنه يحب عن بعد، وأنه لا يقطع المسافة إلى الحبيبة، ويترك روحه تتأرجح، وتتعذب، وربما من هذا العذاب صاغ أجمل قصائد الحب.
حسب شاعر متفرد، نموذج مبدع من سيّاب آخر، في شعره دفق العربية الجزلة، وثقافة الشاعر الواسعة، وموسيقى تتماوج في مفرداته وجمله، ولاسيما أنه أهم من كتب القصيدة المدوَّرة في شعرنا المعاصر، وهي القصيدة التي تتدفق بلا توقف، وتتواصل أسطرها بلا انقطاع.
وأخيراً.. وليس آخراً، هو الشاعر العراقي الوحيد، وعلى الرغم من تغربه، كان شعره شكلاً من أشكال الأرض والماء وقد تحولا إلى قصائد، ففي معظم ما كتب الشاعر كنا نرى الأهوار بمائها وطينها وطيورها وقصبها ونباتها ودخان مواقدها وحتى روث حيواناتها، قد رسمت صورة شاعر عاش حياة عصرية بأصابع سومري أصيل، دخل وخرج من حانة الشعر كطائر سومري وحيد.
وها هو الآن قد حلّق بعيداً.. بعيداً.