الاشتياق

160

سعاد الجزائري/

لا نشعر بالفقدان والاشتياق إلا عندما تتلاشى أو تنسل من بين أصابعنا الصور والعادات التي نحبّها، ونتمسك بها وكأنّها السبب في كينونتنا، لأنَّها باتت جزءا مهما منا لسنوات وعقود، بل هي الغذاء الانساني والروحي لكلٍ منا..
منذ تسعة أشهر نعيش حالة عزلة شبه تامة، غيّرت وستغيّر الكثير فينا، وقد تظهر، نتيجة هذه العزلة، حالات مرضية ونفسية جديدة على المجتمع البشري، فقد غابت عنّا الكثير من معالم السمات التي كانت تقليدية لكنّها ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، ولا يمكننا التجرد منها.
صديقي يقول: كنت أتلهف للاقتراب من أي حسناء أراها، وبعد انتشار وباء كورونا وفي ظل العزلة القسرية والإرادية معا، صرت أهرب من الجمال، وحتى الخارق، إلى الرصيف الأبعد خوفا من العدوى..
جردنا هذا الوباء من أكثر العادات ألفة، فامتنعنا عن مصافحة الايادي، التي تترجم شعور الحب وشوقنا لمن نلتقيه.
وازدادت أشواقنا للكثير من البديهيات التي كنّا نمارسها دون أن ندرك أهميتها في حياتنا، فأنا اليوم، وكل يوم اشتاق بلهفة إلى عناق ابنتي التي ترفض حتى الاقتراب مني خوفا عليَّ باعتباري مصنفة كبيرة عمريا، واشتاق إلى معانقة صديقة أو صديق، لأني افتقدهم، فالعناق صار أخطر فعل نقوم به الآن، بل وخلال ممارستي للمشي في بارك قرب من بيتي، يشكرني الآخرون عندما ابتعد عنهم.!! هكذا الإنسان يشكر أخاه الانسان كي يبقى بمنأى عنه!!.
ترى هل سيتجذر بنا هذا السلوك الغريب ويتحول إلى عادة سنألفها تدريجيا، لأن الكثير الان تعودوا على البقاء في البيت، ولم تعد ترعبهم عزلتهم، بل اكتشفوا، وللأسف، أنَّ للعزلة فوائد جمة، فقد قلّت او انعدمت تكاليف الضيافة، ولا داعي لشراء الملابس لأنَّك جليس بيتك، وبالتالي فما جدوى الاناقة أو العطور أو الاكسسوارات والحقائب والطقم الانيق أو ربطة العنق…
أشعر أن ابتساماتنا بدأت تختفي خلف قناع مغلق تماما ومطهّر بمعقمات وأدوية خنقت أنفاسنا..اشتاق إلى ابتسامة حتى الذين لا أحبهم..
أما الحب؛ فقد أصابه الكثير من الأذى بسبب مائتين وسبعين يوما من العزلة، أي ما يعادل تسعة أشهر.
نسي العزاب الحب لأنَّ اللقاء بالحبيبة خطر، والمتزوج بسبب تواجده المستمر مع شريكته بدأ يشعر بالملل، فهرب حبهما مختفيا في زوايا البيت المنسية..
اشتاق اليوم إلى جلسة في مقهى، هذا الفعل البسيط، الذي كنّا نقوم به ولا ندرك أهميته بحياتنا الا عندما تم تصنيفه كفعل ممنوع عالميا واقتربت المقهى من الخط الاحمر…
صرت أرى تحضير حقيبة السفر وشراء الهدايا في أحلامي، أو الوقوف بطابور مع باقي المسافرين والقلب يخفق بسرعة من أثر الفرح وتأثراً برهبة المطارات..
اشتاق إلى لقاء أصدقاء لم أخبرهم بقصص كثيرة حصلت لي وبسبب العزلة انقطعنا عن بعضنا…
(الاشتياق) كل ما تبقى لنا في زمن تتقاسم فيه الكورونا والسياسة تحويلنا إلى أكياس مملوءة بالهواء وتطير في فضاء التيه…
أرى الحب اليوم، يصلي ليل نهار ليستجيب الاله إلى دعواته، التي يطلب فيها من الناس أن يطرقوا بابه من جديد، وأن تلتقي الأكف لتعانق بعضها ويعود الناس إلى المخاطبة بلغة الجسد، لأنَّها الأصدق والأسرع وصولا إلى لغة الروح..
بالحب فقط سنعيد كل ما سلبه منا كارهوه، وسنعيد للانسان إنسانيته، وسنعبر من عصر الاشتياق إلى العطاء…