البلد يعود وطناً

186

نرمين المفتي /

إن ما حدث عراقياً في مواجهة الاستفتاء غير الدستوري، أكد أن السياسيين أدركوا، بعد تردد لأربعة عشر عاماً، أن سياسة فرض الأمر الواقع لم تعد مقبولة، خاصة أن العراق بدأ يستعيد عافيته عربياً وإقليمياً ودولياً. لأول مرة منذ نيسان ٢٠٠٣ أصبح الانتماء العراقي فوق أي انتماء آخر حفاظاً على الوحدة والسيادة، وكان الالتفاف حول كركوك في حقيقته دفاعاً عن البلد الذي قرر أن يعود وطناً مع بدء عمليات التحرير والعمل على عودة النازحين ووضع خطط الإعمار، وأن يعود الجميع مواطنين وشعباً واحداً وليسوا أفراداً ضمن مكونات. قرر الجميع إفشال محاولة الانفصال وتقسيم العراق. أصبحت كركوك العراقية أبداً قبلة الوطنيين العراقيين. كركوك التي لم تعرف الليل أبداً بسبب وهج نيرانها الأزلية التي أحالت سواد الليل الحالك الى فجر دائم، تنتظر منذ عقود فجرها الحقيقي الذي يصنعه أبناؤها العراقيون.

إن المحافظة على وحدة العراق وسيادته كانت، وما تزال، الامتحان أو الاختبار الأصعب الذي يجب أن نجتازه بنجاح وسلام وأمان. إن الديمقراطية لا تعني أن يشارك أحدهم بكل شيء ويحتفظ لنفسه بما عنده وممنوع أن يشاركه به أحد ولا تعني التمسك بمادة من الدستور وعدم الالتزام بأخرى، وقطعاً لا تعني التضليل الإعلامي ولا تعني التعامل بفوقية.

لا يدرك الذي يرى الناس صغاراً لأنه يقف على قمّة جبل، بأن الناس يرونه أصغر وهم على الأرض أكثر ثباتاً. الديمقراطية ليست بالتهديد أو استعمال القوة واستخدام كلمات غير لائقة أو اتخاذ قرارات أحادية، وليست بفرض مواد ملغومة على الدستور. والتوافق الوطني ليس بالمحاصصة، إنما بالعمل معاً نحو وحدة العراق وإنهاء عذاباته. نأمل أن تستمر الحكومة المركزية قوية بالتمسك بقراراتها وأن تتعامل مع العراقيين بجميع مكوناتهم بعين واحدة وأن تتأكد من أن كركوك سرّة العراق التي لن يستمر عراق بدونها. العراق القوي ليس في صالح البعض كلنا نحتاج عراقاً قوياً، نريد عراقاً قوياً، والعراق يحتاجنا ليكون قوياً، وتحتاجنا كركوك لتبقى قوية، وكلّنا نحتاج بَعضَنا لنستمر.