الجانب المحزن في هزيمة داعش!

298

عامر بدر حسون/

لم أتوقع يوماً أن تصيبني هزيمة داعش بالحزن..
لكن هذا ما حصل!

***
طيلة السنوات الماضية كان سكني في الزيتون (وهو أحد الأحياء غير المكتملة في أربيل والتي سكنها النازحون) تجربة مثيرة ومليئة بالحياة والمعرفة.

فما أن وصلت السيارة التي تحمل أثاث بيتي الى الباب حتى تزاحم شباب لا أعرفهم على حمل كل شيء ووضعه في مكانه في البيت!

وخلال النقل جاء طفل وأخبرنا أن أمه أعدت الغداء وستأتي به عند الظهر! وحصل هذا في الواقع لعدة أيام وبقينا لشهور لا نشتري الخبز فأغلب جيراننا كانوا يحسبون حسابنا من رأس التنور!

الشباب كانوا دائماً متواجدين في بيتنا او في حديقة البيت او أمام البيت وكان ممنوعاً علي أن اذهب للمدينة وحدي! (ميصير عمي شلون تروح وحدك؟)!

أما زوجتي، فقد كانوا يتحرجون من مرافقتها في بداية الأمر عندما تذهب الى السوق القريب، فكان الواحد منهم يمشي بعيداً عنها، وما أن تشتري الخضراوات واحتياجات المنزل حتى يبادرون لأخذها منها وحملها وإيصالها للبيت!

***
كان سكان الحي في غالبيتهم العظمى من المنطقة الغربية (الرمادي الفلوجة الموصل صلاح الدين) وقد نزحوا بسبب احتلال داعش لمدنهم، وهم جزء من أربعة ملايين نازح تركوا بيوتهم وممتلكاتهم، وكنت أسمع منهم يومياً القصص المرعبة عن تجاربهم وما تعرضوا له على أيدي القاعدة سابقاً ومعرفتهم أن داعش ستعيد نفس الجرائم!
وعرفت كم نحن جهلة بداعش وجرائمها وكم إعلامنا مقصر وكم غذّى الصورة النمطية للسنّة كدواعش او حواضن للإرهاب رغم أن قرابة أربعة ملايين سنّي عاشوا في مخيمات او في أحياء تفتقر للخدمات والكهرباء الوطنية مثل حي الزيتون موضع حديثنا.

***
كنا مختلفين (زوجتي وأنا) كثيراً عنهم.. فنحن عائلة صغيرة من زوجين فقط ومن بغداد مع اختلاف واضح في الانتماءات المعروفة.

وطيلة السنوات الثلاث الماضية كانت الأيام التي نتناول فيها الطعام او نشرب فيها الشاي لوحدنا قليلة.. فقد فتحنا باب بيتنا لأبنائنا الجدد وعائلاتهم وكنا نتحدث في كل شيء.
وكان أغلب الحديث عن داعش والذكريات وقصص الديرة!

***
وذات يوم انتبهنا الى خلو بعض البيوت من سكانها وصرنا نعرف من نشرات الأخبار أي جيران سيودعوننا غداً ويختفون من الحارة!

لقد عشت حلم العودة لعشرات السنين وأعرف لذعات سياط الانتظار في الغربة، لكني لم أرَ عن قرب اختصار عشرات السنين بالسنوات القليلة التي عشتها هنا بكل انفعالاتها وآلامها ولهفتها.

وكلما كانت الأخبار المفرحة تأتي عبر التلفزيون بتحرير هذه المدينة او تلك، كانت تزداد صيحات الفرح وشدّ المتاع القليل او إعادة ما استعاروه من جيران من أواني الطبخ او حتى تلفزيونات وفراش وأغطية وغيرها من الحاجات.

ومن قلب هذا المشهد المفرح كان إحساس الرحيل يتسلل إلي بعد أن رافقني في منفاي الطويل بشكل دائم.. فها هي المدينة تخلو شيئاً فشيئاً كلما حقق الجيش انتصاراً على داعش في قرية او مدينة.

ويوم أمس وقفت في الليل مع زوجتي في الشارع ورأينا حجم البيوت التي بلا إنارة دلالة على خلوّها من السكان!

ولم نتعب كثيراً في العد، فبيتنا، إضافة الى بيتين آخرين فحسب، كانت مضاءة في شارعنا الطويل!

لقد عادوا الى بيوتهم.. وعرفنا، ونحن نخسر أبناء وإخوة وأصدقاء، أن ساعة رحيلنا التالي قد حلّت!

ويا ليت كل أحزاننا مثل هذا الحزن المبهج!