الحانة.. بؤرة توتر

463

عواد ناصر/

امرأة الحانة في أسطورتنا القديمة، السيدة سيدوري، آلهة النبيذ، آوت كلكامش، ملك أوروك، وساعدته في الاسترخاء، بكأس من النبيذ، وأن يكف عن أحلامِهِ الخطرة، برغم أن الحانة فضاء يتسع لأكثر الأفكار خطورة وأكبر الأحلام جرأة، ولم تدرك السيدة سيدوري أن نبيذها سيزيد من حرارة المغامرة، على عكس ما توقعت، فمضى كلكامش في رحلته أكثر يقيناً، بعد نبيذ سيدوري، من البحث عن عشبة الخلود. الحانة، مكاناً وزماناً، برلمان شعبي طليق الخيال، بموازاة البرلمانات المحافظة في العصر الحديث، عصر الديمقراطية المزيفة والحقيقية معاً. في الحانة ينفلت المرء من سيطرة المؤسسة بأنواعها: العائلة والسلطة والعقل. نبيذ السيدة سيدوري، بخلاف ما توقعته، زاد من حماس الرجل (كلكامش) للحصول على عشبة الخلود. الحانة السومرية امتدت، عبر المكان والزمان، لتجد ركنها الهادئ، في مدن ميسوبوتاميا، وادي بين النهرين، من شماله إلى جنوبه حتى اليوم. لم تكن الحانات، منذ سومر، بؤرة توتر أو مكاناً لإثارة الشغب، فمجالس الخلفاء والملوك اللاحقين تقوم، كل ليلة، على شكل كابريهات وحانات ومجالس لهو ومجون، منذ ما يسمى بالعصر الجاهلي حتى دولة الخلافة العثمانية، ودول الطوائف. في العصر الحديث، بعد انفصال الدولة عن المجتمع، لأسباب معروفة، من بينها «القيادة والسيطرة» كما في لغة الجيوش، باتت الحانة بؤرة توتر، لأن روادها خارج السيطرة وإن شاركهم موائدهم عسس الخليفة ورجال أمن الدكتاتور. كتب الأكاديمي المرموق، د. حمزة عليوي، على صفحته بالفيس بوك، يقول: «العراق يملك معملاً حديثاً، كجزء من الشركة العامة لصناعة المشروبات الروحية، وهذا المعمل لم يجر نهبه وتخريبه عقب احتلاله، والشهود يقولون إن السكارى هم من حمى ذلك المعمل، فمن تصرف لاحقاً باجهزة التقطير الغالية، أين ذهبت، ومن تصرف بها؟ وهي التي جعلت سهم العرق هو الأعلى في بورصة بغداد!».الحانة، مثل أي فضاء مفتوح، كالسوق والمقهى والحديقة العامة، موقع متميز لازدهار الخطاب المعادي للهيمنة، كما يؤكد الناقد والباحث الروسي باختين. في العصر الحديث يؤكد الباحث السوسيولوجي الأمريكي جيمس سكوت على «في الحضارة الغربية من المعروف أن الحانة والبار والفندق والكابريه ومكان تناول البيرة ومعصرة (الجن) تعتبر بالنسبة للسلطات العلمانية –كما لسلطة الكنيسة- أماكن لتسرب الأفكار التحريضية الهدامة». العلمانية، هنا، لا تعني الديمقراطية ولا الإلحاد، فدول مثل ألمانيا الهتلرية وروسيا الستالينية والعراق الصدامي علمانية لكنها دول قمعية. يعني الدولة العلمانية ليست ديمقراطية بالضرورة. في سبعينياتنا العراقية، القرن الماضي، كان رجال الأمن المنتشرون في حانات بغداد يفتقدون التمتع بكؤوس خمرتهم لأنهم موكلون بواجب المراقبة والسيطرة بهدف التركيز على أحاديث الطاولات المجاورة، لكن بعضهم ما أن يدب دبيبها حتى ينزع قناعه ويكشف عن هويته ويرفع نخباً بصحة الندامى الطيبين. يضيف جيمس سكوت: «إن تاريخ الصراع السياسي هو تاريخ المحاولات التي تتم من أجل السيطرة على المواقع الهامة للتجمع والفسحات التي يسود فيها الخطاب المناوئ». (*). فات السيد سكوت أن ثمة صراعاً سياسياً لا يمكن حسمه إلا بالسيطرة على دار الإذاعة والتلفزيون، كما في بغداد حتى عام ١٩٦٨، أو قبله وبعده في عواصم عربية.

لكن لا ننسى أن الشخصية السياسية الثانية في العراق، بعيد عام ١٩٦٣ وهو علي صالح السعدي، كان زبوناً دائماً في حانات بغداد، وكذلك الشخصية السياسية والإعلامية الراحل عزيز السيد جاسم، بعد عام ١٩٦٨.
الحانة بؤرة توتر خطرة وهي فضاء لممارسة الحرية في آن.