الحبُّ مرض العشاق الأحرار!

75

جمعة اللامي/
قلت لنفسي من دون أن تسمع ذلك أذناي: من قاد قدمي إلى هذا المكان التعس، وأي يوم نحسٍ أرى فيه هذه الجثة (الخايسة)!

“من يعش يوماً واحداً، ويحظى برؤية جلال الحقيقة، أفضل
ممن يعيش مائة عام، ولا يرى جلال الحقيقة.”
(بوذا)

حدثني غريب المتروك، قال: حدثني راشد الواسطي، أنه سمع ذات ليلة هاتفاً ينادي: “يا هذا، مالكَ لا تراني، وأنا أحيط بك من الجهات كلها؟” فارتعدت أوصاله، وارتجفت فرائصه، واصفرّ لون بشرته، وانعقد لسانه، ولما لم يستطع حراكاً، حتى لكأنه ثُبت في مركز الأرض، هتف هاتف آخر في سماوات ليلته تلك:
ما زِلتُ أَطفو في بِحارِ الهَوى … َيرفَعني المَوجُ وَانحَطُّ
فَتارَةً يَرفَعُني مَوجُها … وَتارَةً أَهوي وَأَنغَطُ
حَتّى إذا صَيَّرَني في الهَوى … إلى مَكانٍ ما لَهُ شَطُّ
نادَيتُ يا مَن لَم أَبُح باسمِهِ … وَلَم أَخُنهُ في الهَوى قَطُّ
تَقيكَ نَفسي السوءَ مِن حاكِمِ …. ما كانَ هَذا بَينَنا الشَرطُ
وعند ذلك – يقول راشد الواسطي: دخل قلب الوجود في عزّ قلبي، فهدأت أوصالي، وابترد جسدي، وشفيت روحي، فأدرت بصري فيما حولي، فلم أر سوى مالا يُحصى من مخلوقات الله، ولم أسمع إلا ما يستطيع قلبي سماعه من أسرار الحقيقة، فنظرت إلى عين نفسي من عين قلبي، فوجدت بعضي في كلي. لأنني تذكرت، فجأة، ذلك اليوم من سنة غابرة، حين تخليت عن نفسي في لحظة غفلة، وتنازلت عن روحي في ساعة بؤس.
يقول راشد الواسطي: كنتُ أجول في سوق المدينة، وبين يديّ وخلفي، رهطٌ من الشرطة الذين هم طوع أمري، ويتحركون بإشارة من بناني. وحدث أني مررت بالقرب من دكان رأيت عند زاويته رمَّةً أشبه بجيفة، فقلت لنفسي من دون أن تسمع ذلك أذناي: من قاد قدمي إلى هذا المكان التعس، وأي يوم نحسٍ أرى فيه هذه الجثة (الخايسة)!
ويقول الواسطي: ما إن انتهيت من كلامي، حتى شاهدتُ الجثمان النتن ينهض شيئاً فشيئاً، ثم يتحرك باتجاهي، ويتوقف أمامي متعامداً، فرأيت ما أفزعني، وسقطت مغشياً عليّ، بين هرج ومرج خدمي وحرسي.
وحدثني غريب المتروك، قال: حدثني راشد الواسطي: عادت إليّ روحي بعد فترة. لكنني في أثناء غيبوبتي رأيت صاحب الجثة (الخايسة)، جميلاً بما لا أقدر على وصفه، ونورانياً بما لا أستطيع أيجاد شبيه له، وأشار إليّ صامتاً: يا هذا، كيف تشمئز من عبدٍ، مرضه درجة من درجات القرب إلى الله تعالى، وفقره قفزة إلى ملكوت المولى، ورائحته منخل للذين يعلمون ولا يعلمون؟
يا هذا، انظر إلى جيفتك أولاً.
وقال راشد الواسطي: منذ ذلك اليوم، وأنا أشمّ (ريحة خايسة) في جسدي، وهي تغادرني شيئاً فشيئاً حين أقول: ربّ، أنا عبدك الذي تعرف، فحاشاك أن تبعد سائلاً يطرق بابك..