الحب في زمن الكورونا

232

#خليك_بالبيت

د. حسن عبد راضي/

حسنا يا حبيبتي، أكتب لك ويداي ترتجفان من البرد، أم تُرى من الارتباك؟ لا يهم.. لقد قطفتُ اليوم وردة حمراء لأجلك، ثم تذكرتُ أنّكِ لا تحبين الورود مقطوعة الرؤوس، فاحترت ماذا أفعل بالوردة، قررتُ أخيراً أن أحتفظ بها في ديوان شعر صغير كنتُ آملُ أن نقرأه معاً .. أعلم أنها ستجف، لا بأس بذلك ..سيتعتقعبيرها ويضمخ الكتاب كله ريثما يصل إلى يديك .. أتعلمين .. فكرتُ كثيراً في الكلام الذي لم تقوليه ..وأعترف لك الآن: أنت على صواب، فكّرتُ في صمتك البليغ .. صمتك الناطق .. ولكن شخب من بين أصابعي دمُ سؤال بريء: ألم نتفق أنّنا سنتبادل الأفكار؟ كيف إذن نفعلُ ذلك ونحن لا نتبادل إلا الصمت والبياض الكتوم؟
لعلي لم أخبرك أنصديقي اختُطف صباح أمس، أظنه الآن معصوب العينين مكبل اليدين في قبو مظلم بارد، ورغم أنه رجل بالغ، لكنني أظنه خائفاً الآن من الظلام كطفل صغير بعيد عن حضن أمه الدافئ.. أظن أن العالم من حولنا بدأ يعود إلى رشده، فالحرب تطرق كل الأبواب، والناس يمضغون أوراق الشجر لكي يموتوا واقفين، والأسواق تزدهر يا حبيبتي ..بالأسلحة والرقيق والحشيشة والفايروسات.. هل تسمعينني؟ إنني أهتف بك بصوت أعلى من المعتاد لأبدد القلق الذي تراكم كغيمة دخان ينفثهاقطار عجوز.
وعلى ذكر القطار .. هل تذكرين حين حدثتك عن رحلاتي بالقطارات إلى مدن وشواطئ وسهوب لا نهاية لها؟ حسناً ربما سنذهب ذات صباح خجول في رحلة قطار لا ندري وجهته .. سنطلُّ من نوافذه على أفق تتناهبه خضرة في الأسفل وزرقة في الأعلى، ثم يتبادل اللونان المواقع ..الخضرةُ للسماء والزرقةُ للأرض ..يا للسريالية، سنركضُ في ممرات القطار عكس سيره، محاولين أن نُخلدَ لحظة الحركة وضدّها في نقطة صفرية! أرجوك اجلبي معك مظلتك الملونة، لكي لا نستخدمها ونحن نفتح نافذة القطار ونخرج رأسينا تحت مطر أواخر الشتاء البارد.
الموتُ يفحّ في الشوارع والمقاهي والبيوت، فهل لك يا قمر البحر ونجمة الشمال أن تضعي سدادات قطنية في أذنيك؟ ضعي سماعات هاتفك وارفعي صوت الموسيقى، أو انشغلي بعدّ الحمام الذي اسودّ ريشه من سخام الحروب وعوادم السيارات!
أتعلمين لقد عبرتُ عتبة خطيرة، لقد عثرتُ على العشبة يا صغيرتي ..أصبحتُ خالداً لفرط ما أخطأني الموت في مناسبات سعيدة كثر، وأعلم أن هذا خبر سعيد بالنسبة إليك، لكنني غير واثق من أنه كذلك لي! ربما لولاك لكنت أتلفتُ العشبة واستأنفت حكم الخلود الجائر، وطلبت إعادة محاكمة الموت الذي لا يتقن عمله جيداً .. أنت الضوء الذي بقي لي، بعد أن سقطت عيناي في مدارج الركض وراء امرأة أخرى اسمها الحياة، امرأةعمياء شعثاء الشعر محدودبة الظهر وفيها كل العِبر، أنتِ من أعطاني كل سبب ممكن لكي أكون هذه الفوضى التي تعرفين.. ولذلك لم يعد لديّ من رجاء سوى أن نعبر معاً ربيع الكمامات هذا، وأن نعود إلى رش العطر بدل المطهرات، وأن نكتب معاً تلك القصة التي اتفقنا على كتابتها، وأن تتسلمي بكامل رقة يديك رسالتي هذه بعد انقضاء زمن الكورونا!

 

النسخة الألكترونية من العدد  356 

“أون لآين -1-”