الحرائق.. قديمة!!

56

حسن العاني /

لم يكن مصطلح أو تعبير (قرون الظلام) التي امتدت على مدى (400) سنة ويزيد، يراد به المبالغة، أو أنه نوع من الاستعادات البلاغية، لكونه بحق توصيفاً دقيقاً لتلك المئات الاربع من سنوات القهر والألم والتخلف التي شهدها العراق، وعانى منها شعبه أنواع العذاب على يد الاحتلال العثماني، الذي يعدّ الاسوأ من بين الاحتلالات البغيضة الأخرى عبر تاريخه الطويل..
كثيرة هي الحكايا والقصص والمواقف الواقعية التي رسمت هوية المرحلة ولم تكن مفردة (الظلام) الا واحدة من مفرداتٍ أمر وأقسى، ولعل الحكايا التي تعود – كما يذكر المؤرخون – إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر – وإن لم تكن فريدة من نوعها أو غريبة – تصلح أن تكون انموذجاً للاستشهاد..
ملخص هذه الحكاية أنّ موظفاً يدعى (نامق آغا) تولى مهمة كبيرة في بغداد، هي الاشراف على ضرائب المدينة أو (الولاية) كما كانت تسمى، ويبدو أنّ نفسه الأمارة بالسوء قد سوّلتْ له أمراً، غير أن تلك الوسوسة الشيطانية اصطدمت بموظف من موظفيه يدعى (طلعت أفندي) مهمته تنظيم السجلات الضريبية، وكان هذا الرجل الذي لا يفوته وقت من أوقات الصلاة، ولا يتوقف ذكر الله عن لسانه وعلى طقطقة مسبحته، معروفاً بالحزم الاداري، والذكاء والفطنة والدهاء بحيث لا يمكن خداعه أو الضحك عليه..
نفَدَ صبرُ الأغا من طول الانتظار وقرر المجازفة عبر التلميح وجسَّ النبض.. وإذا به يكتشف أن الافندي أشدُّ وسوسةً وأعظم رغبة منه للتلاعب بالسجلات والأرقام الضريبية لولا الخوف منه، وضحك الرجلان من أعماقهما واتفقا على أن تذهب نسبة (70%) من عائدات الضرائب إلى الخزينة، و(30%) يتقاسمانها مناصفة، ثم تعاهدا وأقسما بالكتاب الكريم وبشرفهما، على أن لا يخون أحدهما الآخر أو يشي به، وأن يبقى هذا الاتفاقُ سراً بينهما.. لا يطلع عليه أقرب المقربين!!
ما كاد العام الأول ينصرم حتى جمعا من الأموال الطائلة ما جعلهما أثرى شخصين في ولاية بغداد.. ومن باب التحوط والتقرب إلى الوالي، كان الأغا يقدم الهدايا الثمينة له.. مرة عمامة تتوسطها جوهرة نفيسة، ومرة عباءة مطرزة بخيوط الذهب.. ومرة خاتم الماز أو سجادة حرير أو أطباق فضة أو كرسي مرصع بالياقوت أو.. أو.. والوالي يتقبلها بالاستحسان وعين الرضا حتى أصبح الأغا من مقربيه!!
على هذه الحالة من النعيم جرت الحال وتوطدت العلاقة وإرتفعت النسبة من (30%) إلى (40%)، إلى أن فوجئ طلعت أفندي ذات مساء بزيارة نامق أغا إلى بيته.. كان يرتعد خوفاً وهو يُخبر (شريكه) الأفندي بأن هناك لجنة مالية مكلفة بتدقيق السجلات، ستقوم بعد عشرين يوماً بجولة تفتيشية.. وهذه مصيبة عظيمة.. لأنها تعني نهايتنا ومصادرة أموالنا واقتيادنا إلى السجن، ولن يستطيع أحدٌ أن يشفع لنا حتى الوالي الذي سيقف بالتأكيد ضدنا ويتعاون مع اللجنة..
ضحك الأفندي من أعماقه وهو يطقطق في مسبحته وردّ على صاحبه: “مولانا لا تشغل بالك ولا تهتم، أنا أعرف باللجنة وموعد زيارتها، وكل شيء محسوب على 24 حباية”، اطمأن الآغا وعاد إلى أسرته مرتاح البال والضمير ونام ليلته قرير العين.. فربما يعمد شريكه الداهية إلى إسكات اللجنة بحفنة كبيرة من الليرات الذهبية.. إن لم يكن قد رشاها واتفق معها في وقت سابق!!
قبل وصول اللجنة بيومين تعرض مبنى الضريبة إلى حريق هائل وقد تعاون الموظفون وعلى رأسهم الأفندي وأخمدوا النار بسرعة، ولم تتعرض البناية إلى أضرار كبيرة باستثناء غرفة السجلات التي أكلتها النيران عن بكرة أبيها، وقدّم الوالي شكره إلى طلعت أفندي بصورة خاصة، إذ احترق نصف طربوشه في عملية الاطفاء.. ومن يومها والحرائق لم تتوقف في بغداد لأسباب ظلت مجهولة!
ملاحظة: في تلك المرحلة لم تكن الكهرباء معروفة، وإلا لكان (التماس الكهربائي) هو المتهم الأول.. والوحيد.. في إشعال الحرائق!