الحُبُّ إنْ تَكَلّم..!

435

جمعة اللامي/

لا أشكُ في أن قطّاعاً ضخماً من متذوقي “الفن السابع”، استطابوا شدَّ أبصارهم الى الشاشة، وهم يتابعون تفاصيل فيلم “اللصّ والكلاب”، المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ، الشهيرة بالعنوان ذاته. لكن آخرين، ومنهم كاتب هذه الحروف، يجدون في قراءة النص الروائي المكتوب، متعة لا تضاهيها “الجملة البصرية” مهما كانت بليغة، لأن الكلام يمضي، والكتابة تبقى، كما قال أحد صناع الكلام ذات يوم.وللمسألة وجه آخر، يتعلق باللص عندما يحب، وحين يخفق قلبه، فإذْ ذاك يُحدث الحب معجزته. وهكذا كان أمر الشاعر مَسعود بن خَرْشَة، مع تلك النسمة العربية، البدوية، التي مرت عليه، فأطلقت الكلمات من بين ردنيه، جميلة وعفيفة، برغم أن المجتمع المنقسم الى طبقات، وقف حائلاً بين قلبه وأمنيته العزيزة عليه، فإذا به يصبح في طريق آخر، ويزداد حدة واستيحاشاً.مَسعود، هذا، رجل تميمي. وهو لصّ عنيد وشاعر مهوال. لكنه نبيل، وشهم، نشأ على سيرة جده: حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، في أخذ حقه المسلوب بيده، بعد أن عرف أن “الدنيا تؤخذ غلاباً”، وأن الحق الذي لا يطلبه صاحبه.. ضائع، وأن المعرفة بهذه المعرفة، قوة.. وأيّ قوة.
ضاعَ قلبُ مسعود. أو لأقل: ضاءَ قلبُ مسعود التميمي، عندما تعرف الى تلك العربية الجميلة: جُمْل، فهام بها، وشغف بحبها، حتى لقد قال فيها شعراً فريداً في جماله:

كلانا يرى الجوزاء، يا جُمْل، إن بَدَتْ

ونجْمُ الثريّا، والمزارُ بعيدُ

فكيْفَ بكم، يا جُمْل، أهلاً ودونكم

بحورٌ يُقمِّصْنَ السفينَ وبيدُ

هنا ملخص حياة مَسعود، وموجز سيرة قصة حبّ لم يرد لها المجتمع المنقسم على نفسه، أن تسير حتى النهاية الطبيعية المُرتجاة في كل قصة حب عفيف.
إن جُمْل، هي ابنة شراحيل، وشقيقة الشاعر المازني: تمام بن شراحيل المازني، النسيب، الحسيب. وحدث أن رجلاً آخر، خطب جُمْلَ إليه، فقبل به قومها، وفضلوه على شاعر صعلوك، فهجر مسعودٌ الناس، واستوحش الدنيا، وسكن مفازة من قصب وماء، وأخذ يتعارك مع البشر والحجر.
ولو أن الأمر متروك لي، لجمعتُ بين العاشقين الشريفين. ولكنها الدنيا، وثقافة التفريق بين العشاق حسب الحسب والنسب والرصيد المالي، ولذلك اخترت صفّ مسعود وهو يصاحب الوحوش في المستنقعات، وينفر من بيئة لا تحترم الحبّ.