الخوف والكرم

900

سعاد الجزائري /

يترافق الخوف معنا، يقلُّ ويتزايد تبعاً للمحيط الذي ينعم بالهدوء، أو الذي يغلي بالمفاجآت السياسية والاجتماعية والحياتية، أو بغدر الأنظمة التي تعاقبت علينا، وكأنهم من سلالة الشياطين…
عرفنا الخوف أولاً من الحكايات، من (السعلوَّة) التي تلاحق الأطفال، أو المارد الشرير والجنّي. عندما كبرنا قليلاً، أخافنا عقاب الأهل والمعلم، وعندما تشكلت بذور وعينا وغريزتنا صرنا نخاف من أفكارنا ومشاعرنا، الأولى لأنها تتعارض مع بعض أو أكثر الذين حولنا، والثانية لأن مشاعرنا مرتبطة بعواطفنا وغرائزنا المحكومة دائما بقانوني (العيب والحرام)، والحكم عليها مخيف بالضرورة.
الخوف أكثر المشاعر إخلاصاً لنا، هو كظل للعراقي يلاحقه أينما حل، فنحن نخاف من جارنا الذي قد يشي بنا عند العيون المتربصة في عتمة الليل، أو في زوايا نهارنا، ونخاف المطارات لأننا تحت سطوة شعور أننا مطاردون دائماً، وبدون ذنب يذكر قد يلقى القبض علينا ونغيب خلف القضبان أو نخطف، أو كما يقال: خرج ولم يعد.. نرتعب ونتحدث همساً عندما نسمع لهجتنا في بلد غريب. ظلت أختي مدة أكثر من عامين تتحدث همساً عن وضع العراق وهي في لندن، لأن ظلال ذئاب رجال الأمن تلاحقها حتى في منامها، وكلما نبهتها إلى وجودها خارج العراق تقول: (صحيح والله) ، لكنها تعاود الهمس من جديد… لا نثق بما هو جديد في وضعنا لأن مآسينا ازدادت مع التغييرات، ولاسيما في عقود ما بعد السبعينيات وحتى يومنا هذا.. نخاف من الحب لأننا نتوقع خيبته، نخاف من الامتحان في الحياة لأنه سينتهي بالفشل وفق توقعاتنا المتشائمة، ووفق طبيعتنا التي جبلتها خيبات وضعنا المأساوي.. نخاف من الحياة ونخاف من الموت، ويرعبنا طرق الباب ليلاً او فجراً، وربما حتى خلال النهار، لأن السؤال المدوي يرن داخل تلافيف الخوف: من جاء!!!؟ مع كل الذي مر بنا، والذي نحت خوفنا كتمثال مهول أمام واجهة وطننا، واحتلت أخبار تفجيراتنا واغتيالاتنا وموتنا مقدمات نشرات الأخبار المحلية والعربية والعالمية.
مع كل ذلك الخوف والموت والغدر بنا من قبل الدائرة التي تحيطنا، فما زلنا نكتب الشعر ونرسم أجمل اللوحات بالألوان ونفوز بالجوائز، ونصدر مئات الكتب وأكثر سنوياً، ما زلنا نسقي حدائقنا ويلون الجهمني أسوار بيوتنا، نشيِّع جارنا هذا ونحضر عرس ذاك، ونطبق قول أحمد شوقي: وإذا نظرت إلى الحياة وجدتها عرساً أقيم على جوانب مأتم… رغم خوفنا المزمن لكننا نعاند القهر ونثور، نتمرد ونواجه الظلم القاتل بالفكر وبالسلم، لأننا كباقي الشعوب نحب الحياة حتى وإن ابتعلنا القهر مع خبزنا اليابس… سنبقى نحن من وضعَ القانون الأول ومنا ظهر أول حرف، سنبقى بلد الحضارات والنهرين ومليون نخلة عالية كعلو رؤوس أبنائها، وسيلغى يوماً ما حقل الخوف من هويتنا لتعود عبارة (عراقي شهم وكريم كحاتم الطائي)…