الربيع العراقي

448

حسن العاني /

حاولتُ ما وسعتني المحاولة، التهرب من الدعوة الكريمة التي وجهها لي زملائي الصحفيون في “نقرة السلمان”، كوني متحدثاً سيئاً ولا أقدر على لملمة أفكاري، ولكن محاولتي لم تنجح، فقد أصروا إصراراً لا مجال للفرار منه، وهكذا تمت استضافتي للحديث عن تجربتي الإعلامية الطويلة التي بدأت منذ النصف الأول من ستينات القرن الماضي، وكنت أتمنى على زملاء المهنة، أن لا يسمحوا للسياسيين والمسؤولين بدخول القاعة، لأنهم مثل الملوك إذا دخلوا قرية.. ناهيك عن أن وجودهم في هذه الأماكن أشبه بكاتم الصوت على فم المتحدث!

على أية حال ألقيت محاضرتي، مستعيناً برؤوس أقلام هيّأتها مسبقاً، وبعد أن انتهيت من تسليط الضوء على المحطات الرئيسة في مسيرتي الإعلامية وخاصة في حقلي (الصحافة والاذاعة) دوّتِ القاعة بالتصفيق، بحيث بلغتْ نرجسيتي ذروة غرورها، وكنتُ أتوقع، إلا إنّ توقعي فشل، أن يجري الحوار حول ماضي الصحافة العراقية وواقعها الراهن وأبرز مشكلاتها.. الخ، وكنت مستعداً لمثل هذه الأسئلة وإجاباتها، غير أن أحد الحضور، وهو كما علمتُ لاحقاً، سياسي معروف على مستوى النقرة، استبق الآخرين وأمطرني بوابل من الأسئلة السياسية لا أول لها ولا آخر، ولو كان يدري أنني مازلت أخلط بين القصر الأبيض الذي توهمت بسبب فخامة الاسم “قصر” أنه في أميركا، وبين البيت الأبيض الذي طالما توهمتُ بسبب صغر الاسم “بيت” إنه في بغداد، لاحترم عمري وشيبتي ولم يجعلني أضحوكة لأهالي النقرة!!

كان أشد الأسئلة إيذاء على روحي هو التالي: “أستاذ.. باعتباركم علماً من أعلام السياسة والصحافة.. كيف تنظرون الى الربيع العربي ومستقبله؟!”.. ومع أنني لا أعرف من هو السائل وما هي هويته، ولكنني أقسم أنه ابن كلب ويتصيد بالماء العكر، ولو لم يكن كذلك ما وصفني بالعلَم.. وهكذا تنحنحت مثل المحللين السياسيين، وكرعتُ قدح العصير الذي أمامي الى آخر قطرة مثل أولاد الفقراء، وبلعتُ ريقي ثم ابتسمتُ بطريقة توحي وكأنني مسيطر على الموقف، قبل أن أردّ عليه ردّاً ما أنزل الله به من سلطان، حيث تركت العنان لفطرتي أن تتحدث كيفما اتفق قلتُ له: “شكرا على هذا السؤال.. دعنا نأخذ نظام حسني مبارك أنموذجاً، فقد كان يمثل (نظرياً) الدولة المدنية التي تنمو في ظلها أجواء القانون والعدل والحرية، ويزدهر العلم والفن والثقافة والتنمية، إلا أن مرض التفرد بالسلطة والكرسي والتوريث أدى الى انتعاش الدكتاتورية بشتى صورها، وبالتالي انتهى (عملياً) حلم الناس بالدولة المدنية، إذْ لا يكفي أن يكون مبارك شخصية وطنية مثلاً أو ذات تاريخ عسكري مشرّف، طالما استفحلت عنده نزعة (الأنا) المستأثرة بكل شيء..وما حدث في مصر، حدث بالوتيرة ذاتها في عموم الربيع العربي، الذي دفع بأصحاب اللحى السياسية الى الواجهة، وأهم ما يميز أصحاب هذه اللحى، أنهم يؤدلجون الدين ويسيّسون كل صغيرة فيه وكبيرة، حتى يصلوا به في الخاتمة، إلى نمط أحادي لا يقبل الآخر، ويرفض التعايش حتى مع (المتدينين) مالم يكونوا من دينهم بالمعايير المذهبية والفقهية والسياسية التي يرونها الصواب الوحيد، وهذا يعني أن مصر كانت مهيأة –لولا الثورة الشعبية على اللحى السياسية- لبناء دكتاتورية (الحلال والحرام) المسلفن بالدين والفتاوى، وهكذا فإنّ ما يسمى من باب الضحك الأميركي على الذقون (الربيع العربي)، هو انتقال من دكتاتورية الفرد الى دكتاتورية الآيديولوجية.”

وأقسم برأس الأسد، أنني لم أفهم معنى هذه الخربطة، ومع ذلك لم يتركني ذلك السياسي اللعين، فقد عاد وسألني: “أستاذ.. ما رأيك بالربيع العراقي؟!”، صحيح أنا “طرن” في السياسة ولكنني لست غبياً في التعرف على نوايا الآخرين الخبيثة، ولذلك قمت بمحاولة التفاف ظريفة وقلت له: “أنت تعرف أن الربيع لا يمر بالعراق، فنحن شتاءٌ بارد قليل الأمطار، وصيف حار عديم الكهرباء، والأنواء الجوية بشّرتنا بأننا معرضون في المستقبل القريب الى (300) عاصفة ترابية سنوياً..” وضحك الجمهور من أعماقه، ومرّت المحاضرة بدون إراقة دماء..