الرشيد والشعراء

326

حسن العاني /

يوم آلتِ الخلافة الى الدولة العباسية، كانت “الإمبراطورية” العربية الإسلامية قد تجاوزت مرحلة الفِتن والحروب، واستقرت بها الحال في أعلى مقامات الثراء والبذخ والاسترخاء، فعمدتْ الى استعادة ما فاتها من بناء حضاري وثقافي، ولذلك ازدهرت علوم الطب والفلسفة والترجمة والفلك، وظهرت العديد من الحركات الفكرية والصوفية والدينية. أما أعلى مقامات الوضع الجديد فتمثل في علو هامة الغناء والموسيقى ومجالسٍ اللهو والطرب، وانتعشت انتعاشاً غير مسبوق ظاهرة شعراء “الكدية” كما يسميهم أستاذي الراحل مدني صالح، ويعني بهم الذين تكسبوا بقصائدهم، وما كان لهذه الظاهرة أن تتفشى لولا رغبة الخلفاء في تأسيس فصيل من الشعراء يمدحهم ويسلّيهم، وهكذا تفتحت أبواب القصور للغثّ والسّمين منهم، ولم يكن باب الرشيد استثناءً، بل ربما كان من أكثر زعماء الدولة جذباً للشعراء، وأكثرهم معرفة بطبائع الناس وطبيعة النفس البشرية.

تروي لنا كتب التاريخ، أعاجيب الأمور وغرائب الأحداث والحوادث عن هذا الخليفة “المثقف”، فقد حُكي أن ثلاثة شعراء مثلوا بين يديه، الواحد بعد الآخر، مادحين مهنئين مباركين لمناسبة عودته من أداء فريضة الحج السابعة، وقف الشاعر الأول فمدحه واصفاً إياه بالبحر المزدان بالدرر واللآلئ، وأن الجود من سجايا بني العباس، وهارون منهم رأس الكرم، فلما انتهى، أمر الرشيد حاجبه أن يعطيه ألف دينار وكسوة ومؤونة لعياله، وأن لا يسمح له بالدخول الى مجلسه إلا مرة واحدة في السنة، (لأنه شاعر يتكسب بقصائده ويستجدي عطايانا، ولو وجد من يعطيه أكثر لمدحه بأفضل مما مَدَحنا، لكنه لن يشتمنا، فليكن بابنا مفتوحاً له حتى نكفيه حاجته، وما ذاك الا واجب الراعي تجاه الرعية). وصدق الخليفة، فقد تنقل الشاعر طارقاً أبواب القادة والموسرين إلا أنه ما تعرض للرشيد بسوء.. ودخل الثاني فمدح وبالغ وتمادى حتى جعل من هارون نبياً لا تنقصه إلا الرسالة، فلما انتهى أمر الخليفة بخمسة آلاف دينار ومزيدٍ من المؤونة والكسوة، لكنه أوصى حاجبه أن يمنعه من الوصول الى المجلس بعد اليوم، لأن [هذا الشاعر علينا وليس لنا، فكل مديح فاق حده انقلب ضده، وما أرى لسانه في آتيات الأحداث إلا هجاء لنسبنا، فو الذي نفس الرشيد بيده، ما ارتبتُ في أحد يوماً كارتيابي برجل يزيّن الباطل في معصية الخالق إرضاء لمخلوق، ولو منعته العطاء لوهبته الحجة على شتمنا، ولكنني أجزلتُ العطاء لتكون الحجة عليه، وحتى يعرف من يقف عند أبوابهم من خصومنا، أنه كذاب منافق، وناكر نعمة، فلا ينزل مجالسهم منزلة العزيز]. وتحققت فراسته، فما هو إلا عام حتى هرب الشاعر من بغداد والتحق بمعسكر الخصوم، وهجا الرشيد وأقذع في هجائه، ومدح أعداءه وبالغ في مديحهم، إلا انه نزل منهم منزلة الأذلّاء والعبيد..

ثم دخل ثالث الشعراء ومدح الرشيد سائلاً الله أن يبقيه ذخراً للأمة، وشكا إليه ظلم الوالي، ثم طلب الصفح لعشيرته عن ذنب ما قصدوا به السوء، وعاهده أن يبقى سيفاً من سيوفه مادام راعياً للحق، ناشراً للعدل منصفاً للمظلوم متمسكاً بحبل الله.. فلما فرغ قال له الرشيد [عزلنا الوالي وصفحنا عن العشيرة، فاطلبْ غير ذلك ما شئت] ردّ عليه الشاعر [ما جئت أشكو الحال وكثرة العيال وقلة المال، وما مدحتُ أمير المؤمنين في غير ما هو عليه، وقد أجبتني لما أريد فكيف أطلب المزيد، والله سبق فضلك طلبي]، قال الرشيد مخاطباً الحاجب [هذا لسان لنا وليس علينا، جاء طالباً لغيره غافلاً نفسه، ولو كان فيه شيء من طمع لقدّم حاجته على قومه، أكرمه أيها الحاجب وضاعفْ في كرمه، فمثله لن يسأل، وإنه ورب الكعبة أكثر الشعراء حاجة وفاقة] وصدقت نظرة الخليفة، فقد جالسه الرجل طوال حياته، حتى إذا انتقل الرشيد الى جوار ربه، لزم الشاعر بيته وانقطع عن نظم الشعر..