الشعوب الراقية !

140

حسن العاني/
هذه أول مرة يعودان فيها إلى ممارسة هوايتهما اليومية من جديد بعد غياب امتد قرابة الشهرين.. (مزاحم) ابن الخامسة والعشرين مع صديقه (جابر) ابن العمر المقارب.
دأبا سنوات عدة على قطع الشارع الممتد بين (حي الشهداء والبياع)، كانا يتسليان في سيرهما البطيء، فوق (الجزرة الوسطية) التي حظيت بخضرة الأرض المكسوة بالحشائش والأشجار والشجيرات التي منحت المكان قدراً واضحاً من الجمال. ولعل تنوع المشاهد على جانبي الجزرة، كمدينة الذرى وبعض دوائر الدولة ومعارض بيع المركبات والمشاتل والأحياء السكنية كان يمنح تخطيهما متعة أخرى، لكن أهم شعور بالسعادة هو ابتعادهما عن صخب المقاهي ودخان الأراجيل، وقناعتهما بأن قطع الطريق بصورة يومية ذهاباً وإياباً، وفي معظم الأحيان أكثر من مرة، لا يخلو من فائدة، لأن (المشي) يعدُّ افضل أنواع الرياضة وأبسطها وأعظمها فائدة لجسم الإنسان وصحته.
في ذلك اليوم، وقبل انطلاق رحلتهما المعتادة وقت العصر القريب من مغيب الشمس، سأل مزاحم صديقه إن كان يرغب في (لفة) كباب او همبركر أو كص، لأنه لم يتناول غداءه. اعتذر عبد الجبار لأنه تناول غداءه متأخراً، كانت يدا مزاحم مشغولتين، في اليمنى (لفة كباب) وفي اليسرى علبة مشروبات غازية، وكان وهو يتناول طعامه بشهية، يحدث صاحبه عن بعض مشاهداته في لبنان وكندا وتركيا وإيران وماليزيا، وتوقف طويلاً عند شوارع هذه المدن وأرصفتها وجزراتها الوسطية، من دون ان تفوته الإشارة النقدية إلى معظم شوارع بغداد وأرصفتها وجزراتها. وبالمناسبة يحتل الشعب العراقي المركز الأول في النقد القاسي وعدم الرضا عن كل شيء. وبشيء من الانفعال وهو يقسم برأس صديقه قال: “تعرف (جبوري) – للدلال- وأنا أتجول في هذه البلدان التي زرتها كانت شوارعهم وطرقاتهم وحتى أزقتهم الداخلية، وكأنها جزء من منازلهم، نظيفة جداً، مغسولة (تلمع)، لا يمكن أن ترى عقب سيجارة أو علبة سجائر فارغة أو أوراقاً ممزقة أو علب مشروبات غازية أو عصائر كارتونية أو زجاجية أو معدنية فارغة، أو مناديل ورقية أو ذرة نفايات على شارع أو رصيف أو جرزة.” سأله صديقه إن كان ذلك بسبب الرقابة الشديدة من مفارز الشرطة مثلاً أو موظفي الدوائر البلدية، ضحك مزاحم وأقسم -كالعادة- برأس صاحبه: “أبداً، لا شرطي ولا رقابة ولا.. ولا، حقيقة مزاحم .. هذا أمر غريب، حبيبي عبد الجبار، الرقيب الأول والفاعل هو الموجود في داخل الإنسان، المواطنون هناك إذا رأوا أحداً يرمي عود ثقاب على الأرض تدخلوا في الحال وأرغموه على رفع العود ورميه في الأماكن المخصصة بالنفايات.” كان عبد الجبار يزداد إعجاباً وعجباً وهو يستمع إلى حكايا مماثلة، لكن أشد ما أثار عجبه واستغرابه هو أن صديقه بعد الانتهاء من تناول (لفته)، مسح يديه وفمه بالمناديل الورقية، ثم قام بوضعها مع العبوة المعدنية للمشروبات الغازية ورماها فوق الجزرة الوسطية، وواصل حديثه عن الشعوب الراقية في الخارج!!