الشكوى والوالي

51

حسن العاني /

كان مؤلف كتاب “أربعة قرون من الظلام” موفقاً في إختيار هذا العنوان لانه توصيف حقيقي لسنوات الأحتلال العثماني للعراق، ذلك لأن الأمبراطورية العثمانية كانت إنموذجاً للتخلف، وكلما تقدم بها العمر إزدادت تخفاً وظلماً وجهلاً، وكان المؤرخون والسياسيون على حق عندما أطلقوا على العقود الأخيرة من عمرها عبارة (الرجل المريض)!!
حفلت سنوات الأحتلال تلك بعجائب الأمور وغرائب الأحداث ومئات الحكايا التي تشير في معظمها إلى سيادة الخزعبلات وفتاحي الفال والخرافات والدراويش إلى جانب طغيان الفقر والجهل والجوع، وقد وقفتُ على حكاية إختلط فيها الرمز بالخيال بالواقع، لا تخلو من متعة وفائدة، ومفادها إن مواطناً عراقياً من ولاية بغداد يسكن في بيت طيني صغير المساحة، ليس فيه سوى غرفة واحدة يقطنها مع زوجه وابنائه الثلاثة ووالده العجوز، ولم يكن للرجل عمل محدد، فأينما توفرت له فرصة عمل أياً كانت توجه إليها، على أن مشكلته الكبيرة تكمن في الغرفة الوحيدة التي ينام فيها ستة اشخاص ويطبخون ويأكلون ويستحمون، ولذلك إستقر رأيه على تقديم شكوى إلى الوالي، والتظلم بين يديه، وطلب المساعدة لتجاوز المحنة وبناء مسكن جديد من غرفتين!!
الوالد العجوز بحكم خبرته وتجربته حاول منع إبنه، لأنّ (الشكوى لغير الله مذلة)، وأعاد هذه العبارة على مسامعه عشرين مرة من دون جدوى، وهكذا قابل الرجلُ الوالي وبسط أمامه وضعه المادي ومشكلة الغرفة وهو يبكي، حتى إذا إنتهى سأله الوالي(صحيح إن مساحة دارك ضيقة، ولكن ما الضير لو قمتَ بتربية بعض الدواجن في ركن صغير من أركان الحوش) ردّ عليه المواطن (حفظ الله مولانا الوالي، لولا الدواجن لهلكتُ جوعاً، عندي نعجتان وعشر دجاجات فوق سطح المنزل)، قال الوالي وقد إرتسمت علامات الارتياح على وجهه (عفارم يا رجل.. عفارم)، وفيما كان المواطن البغدادي قد إستبشر خيراً وغمرته السعادة وهو يلاحظ بشاشة الوالي ويرى ابتسامته الرقيقة، كان الوالي قد خلا إلى نفسه خمس دقائق وكأنه يفكر في أمر بالغ الأهمية، كانت أطول من خمس سنوات على المواطن، حتى إذا فرغ من (صفنته)، خاطب الرجل بلغة أمرية(اليوم تذهب إلى بيتك وتقوم بأنزال الدجاج والنعاج من السطح وتتركها تعيش معكم في الغرفة!!)، أراد الرجلُ الأعتراض على هذه المصيبة، نَهَرَهُ بحركة من يده وأكمل كلامه (وتعود إلى مقابلتي بعد أربعة أيام)، وسأجعل الجندرمة يراقبوا البيت، ولو بلغني إنك خالفت أمري سأدفنكُ حياً.. هيا إنصرف)!!
كانت أربعة ايام لا توصف من العذاب والأذى، لم يغرفوا فيها نوماً ولا راحة، وعند لقائهما الجديد تولى المواطن شرحَ الموقف للوالي وهو يبكي بكاء مراً، عندها طلب منه أن يعود إلى منزله ويعيد النعاج (فقط) إلى السطح، ويأتي لمقابلته بعد أربعة أيام..
وفي المقابلة الثالثة شكر الرجلُ الوالي عظيم الشكر لأن الحال تسير نحو الافضل، عندها طلب منه العودة إلى منزله وإعادة الدجاج إلى مكانها القديم، والمجيء إلى مقابلته في الغد، وحين حضر المواطن في اليوم الثاني وهو في قمة السعادة سأله الوالي(هل تطلب من شيئاً آخر… أنا حاضر)، ردّ عليه الرجل (حفظ الله مولانا الوالي… ما رأيت أحنًَ منه ولا اكرم.. ولكن الطمع ليس من شيمي)، ومن يومها أوصى الرِجل البغدادي العراقي-على ذمة الحكاية- أبناءه وأحفاده بأن الشكوى لغير الله مذلة.. وما زالت وصيته سارية إلى عامنا المبارك هذا….