الشيطان

710

د.كريم شغيدل/

في أواسط الستينات، كان رجال المنطقة يجتمعون عادة على ناصية الشارع الرئيس بالقرب من باب منزل السيد نجم، وفي ليالي الشتاء يدخلهم إلى بيته، مستأنسين بأحاديث الريف الذي هاجروا منه إلى بغداد، وفي يوم من الأيام غاب الجميع فجأة، مرت أيام ولم يأت أحد من الأصحاب، ما جعل السيد نجم يقلق ويشكك، فلعله أساء لأحدهم بغير قصد، ذهب لأكثرهم سناً فطرق بابه، فاستقبله ببرود وتجهم ولا أبالية، استغرب وتيقن من أن أمراً جللاً قد حدث، سأل صاحبه، فأشاح الرجل بوجهه قائلاً: اسأل نفسك.. اندهش السيد للهجة صاحبه الشيخ الوقور الذي يكن له كبير الاحترام، وطلب منه توضيح الأمر، فأجابه قررنا ألا ندخل بيتك ولا نقترب من باب منزلك، شهق السيد صارخاً: (يا ستار.. شسويتلكم) فأجابه الرجل بعصبية: تنجس بيتك يا رجل.. بعد لا نعرفك ولا تعرفنا.. صعق السيد فأمسك بخناق صاحبه مرتعداً: سأخنقك إن لم تخبرني.. هل رأيتم شيئاً على عائلتي؟ فانتفض الرجل قائلاً: أنت أدخلت الشيطان لبيتك.. أي شيطان؟ الشيطان الرجيم الذي يسمونه التلفزيون.
حقاً هو جهاز شيطان، يغوي الصغار والكبار لملاحقة كل شيء، ربما يكون العراق من أولى دول المنطقة في البث التلفزيوني منتصف الخمسينات، جيلنا تربى على برامج ثابتة أشبه بأيقونات إعلامية رسخت في الذاكرة، مثل العلم للجميع للمرحوم كامل الدباغ، وعدسة الفن لخيرية حبيب، والرياضة في اسبوع أمد الله في عمر الأستاذ مؤيد البدري، وعلى مسلسلات مصرية ذات أثر فني وأخلاقي كالرحيل والساقية وغراب، وتمثيليات عراقية خفيفة الظل أشهرها (تحت موس الحلاق) وأغانٍ وأفلام أجنبية ومصرية، وعلى أفلام كارتون أشهرها طبعاً توم وجيري وبباي، وبرنامج دنيا الأطفال للراحل كمال عاكف، وبعض المسلسلات الأجنبية المترجمة كالمسلسل الشهير (ستاترك)، كنا نذهب للمقاهي أو نجتمع نحن الصبيان وبعض الشباب في البيوت التي تمتلك أجهزة تلفزيون لمشاهدة مباراة كرة القدم، أو نزالات عدنان القيسي، أو بعض الأفلام، وفي السبعينات أصبح التلفزيون سلعة منزلية ضرورية، ثم أصبحت القناة الواحدة قناتين ولم يعد شيطاناً، بل أصبح بديلاً عن كل وسيلة إعلامية، ثم جاء جهاز (الفديوتيب) وكان ابن الشيخ الذي أطلق لقب الشيطان على التلفزيون أول من اقتناه في منطقتنا، فأصبحنا نهرب من خطب المقبور صدام حسين المملة بمشاهدة ما يقع بأيدينا من أفلام عبر ذلك الجهاز، ولعل العراق صاحب السبق في البث التلفزيوني كان آخر دولة تتسلم البث الفضائي بعد سقوط الصنم، فالنظام الدكتاتوري كان يعد الشعب العراقي قاصراً ويخشى عليه من غوايات الشيطان الجديد (الستلايت).
علاقتنا نحن العراقيين بالتلفزيون قوية جداً، وما نزال ربما من أكثر الشعوب المولعة بالشيطان وغواياته، عليه لا بدَّ من إدراك خطورته واستثماره بما يبني الإنسان وينهض بوعي المجتمع ومواجهة ثقافات العنف والتطرف والظلامية بمهنية إعلامية وأساليب جاذبة تنافس ما يبثه أعداء العراق.