الصين بين الطريق السريع وطريق الحرير

270

د. علي الشلاه /

أتيح لي، ولزملاء أعزّة، أن نكون في الصين في عطلة عيد الفطر الماضي بدعوة كريمة من السفير الصيني في الحبيبة بغداد.
وقد كانت رحلة في التاريخ، مثلما هي رحلة بالجغرافيا، حيث أعادتني إلى قراءاتي المبكرة في الحضارة الصينية ومعتقداتها وفلاسفتها وعلاقتها بالحضارات العراقية القديمة وصولاً إلى الإمبراطورية الإسلامية إبان الخلافة العباسية.
وقد ازدحمت وتناقضت الأفكار برأسي مع هبوط الطائرة في مطار بكين الذي فاجأني بكبره وانضباطه الأمني مع رغبة بإعطاء طابع من الأريحيّة والتسامح من قبل العاملين بقسم الجوازات فيه.
وقد كنت أتصور أن زحاماً كبيراً من الناس سيدهمنا فور خروجنا من المطار اعتماداً على معلوماتنا عن عدد الصينيين وحاضرهم، وهو أمر انقلب إلى نقيضه فور أن لامست أعيننا صور الشوارع والساحات في بكين التي بدت مدينة حديثة قريبة من الحياة الأوروبية المرتبة في الشوارع ونظام السير، وإن حافظت، إلى حد ما، على الطابع الحضاري الصيني العريق إلى حد كبير. وحين مضينا إلى سور الصين كانت الأحداث والرؤى التاريخية وفكرة الانعزال والاحتماء بالذات والانطواء عليها تتلاشى داخلي وأنسى رويداً رويداً مخلّفات الكتب العربية والأفلام الهوليودية وحتى المصرية وأرى سمات حضارية تحترم المعالم الآثارية وعظمة تاريخ الأوطان مهما اختلفت معها.
في الساحات الشهيرة والمطاعم التركية والمغولية والمسجد القديم في بكين تلمست جسر تواصل مع الإسلام يحرص الصينيون على إظهاره، وتلمّست فكرة التعايش بين المعتقدات جميعاً، والتي يحاول الصينيون في تجربتهم الخاصة خصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وهو ما انسحب على مناحٍ اقتصادية واجتماعية أخرى بدت وسطية غير متطرفة كما كانت الآيديولوجيات الاشتراكية تشير قبل ثمانية عقود تقريباً.
الصين هي الصين، هكذا تقول الشوارع والناس، وبدت بعض أفكارنا عنها مبالغات نابعة من طريقة تفكيرنا العربية المولعة والمبالغة، وليس من واقعها وميثلوجياها حتى.
وللحديث صلة.