الطبيب أم الدجال؟!

541

عامر بدر حسون/

يقول مثل أفريقي:

“عندما تضيّع الطريق إلى هدفك فتذكر المكان الذي أتيت منه”!

وهو مثل ينطبق على سياستنا وسياسيينا، ومن المفيد أن نتذكره دائماً حتى تشكل المعرفة سداً أمام الضياع في التفاصيل المثيرة والفوضى!

أرقى ما توصلت له البشرية في إدارة البلدان هو النظام الديمقراطي البرلماني:

(انتخابات.. برلمان.. حرية تعبير.. والفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية).. ومن خلال هذه الوسائل أو الثوابت تأتي العدالة والرفاهية وسيادة القانون إضافة إلى الخدمات بكل أشكالها.

لا يوجد شيء أرقى من هذه الصيغة في تاريخ البشرية حتى الآن.
لقد تمّت تجربة الدولة الدينية عبر التاريخ وتجربة الحكم المطلق والأنظمة الشمولية وحكم العسكر وحكم القبيلة، وكلها.. وعلى نزاهة وجمال أهداف بعضها انتهت، لأسباب كثيرة، إلى كوارث على المجتمعات وعلى البشرية.

***
ما لدينا في العراق (نظرياً ودستورياً) هو هذا النموذج الراقي والأكثر حداثة في تاريخ البشر.

قلت نظرياً حتى لا يتحمس أحد ويذكرنا بالفساد والخروقات الهائلة في إدارة الدولة.

هذا النوع من أنظمة الحكم ليس مخدِّراً يقدم للمريض في غرفة العمليات فينام ويصحو بعد إجراء العملية سليماً معافى.

هو أشبه بالعلاج الطويل الأمد.. وكلما التزم المريض بمواعيد الدواء وتعليمات الطبيب كلما كان الشفاء أسرع!

شعبنا العراقي هو المريض اليوم وأمراضه تبرز للعلن في سياسييه وقادته (وأيضاً في ثقافته وقيمِه).

وهو يستطيع التصرف كيائس فيذهب للسحَرة والدجالين ويتّبع تعليماتهم أو يلتزم بتعليمات الطبيب!

الشائع، والصحيح أيضاً هذه المرة، أن لدينا ربما أفسد مؤسسة سياسية بأحزابها وبرلمانها ومثقفيها وإعلامييها.

فكيف نحصل على العلاج؟

أنركض وراء سَحرة الجماهير ونحاول قلب الطاولة على الجميع.. أم نلتزم بتعليمات الطبيب؟

الغالبية الناشطة في مجتمعنا (وأعني تحديداً التي تذهب لصندوق الانتخاب) هي غالبية تتّبع وصفة الساحر والدجّال.. فهي تريد الشفاء العاجل وتصرخ ضد الفساد والمرض، لكنها تمتنع عن أخذ الدواء المر وتطبق تعليمات الساحر وتعيد لهذا السبب انتخاب من تتم الشكوى منهم!

لسنا حالة شاذة.. فكل المجتمعات الناجحة مرت بتجاربنا وأسوأ منها واحتاجت إلى وقت وجهد للوصول إلى ما وصلت إليه.. وكلما ازداد الوعي قلت فترة الانتظار والانتقال إلى العافية الطبيعية.

والواقع أننا سنختلف كثيراً على أي أسلوب يجب أن نتّبع حتى نصل للهدف.. وسنسمع الكثير من البلاغة والحماسة لكنه سيبقى كلاماً يفتقر للواقعية إن لم يأخذ بنظر الاعتبار أمرين:

– من أين أتينا؟ وما هو نوع نظامنا السياسي؟

لقد أتينا من عقود، بل من قرون من العبودية في ظل الديكتاتورية.. ومن الصعب على من نشأ في ظل هكذا حياة أن يتفهم أو يتقبل استخدام الوسائل الحديثة في الصحة أو في المرض أو في السياسة!

أتينا من هناك.. ونحن ذاهبون إلى أن لا وسيلة للوصول إلى الحكم والتأثير في سياسة الدولة والمساهمة في قراراتها من دون المرور بالانتخاب والصعود للبرلمان ولا وسيلة أخرى غير هذه!

كم نحتاج من الوقت للاعتراف بمرضنا؟ وأي علاج سنتّبعه: علاج المحتال أم علاج الطبيب؟

لا أحد يدري.. لكن الأكيد أن الوقت يمضي، وهو في صالحنا!