العبور

51

سعاد الجزائري /

عبر هذه المساحة التي فزت بها، سأكتب عن وطن يبقى لنا مهما عصفت به وبنا النوائب..سأكتب عن الحب الذي آمنت به وليس لي سواه.. وعن أمنيات أخفيتها كجواهر في صندوق أسراري لأحقّقها في عراق افتقدته كثيرا وما زلت افتقده حتى وأنا بين جنحيه..
هنا ستكون نافذة بوحي وهمسي العالي.
العبور كلمة يتنوّع مفهومها وفقا للاتجاه الذي سنعبر اليه، والذي قد يكون هاوية جديدة بعد أن كنّا بمحنة خانقة، أو يكون أمانا بعد أن سكننا الخوف في الضفة التي كنا فيها، وربما نعبر من ظلمة إلى ليل أشد سوادا، وقد ينبلج الفجر من حيث لا ندري.. العبور الكبير كان يوم تخطيت حدود الغربة متجهة نحو الوطن، لحظتها صرخت: (وصلت وسأبقى…).. أملي يومها كان بحجم وسعة انتشار الهواء، وبوسع سماء عراق، يوم دخلته كان تراب القصف عالقاً على مبانيه وأوراق أشجاره، فهمست لنفسي: لا يهم، مثل عروس متربة!! بحقيبة العبور حملت أحلاما كبيرة، وأماني كنت سأوزعها كهدايا بين أهلي ومعارفي، وطموحات ركنتها جانبا ريثما أتعرف من جديد على جغرافية وطن تغيرت كل معالمه وحتى حدوده.. بقيت لفترات طويلة أبحث عن ذكريات خبأتها في دفاتر الوطن، لكنها اهترأت وضاعت معها كل آثاري الماضية، أقنعت نفسي أن تتجاوز هذا الضياع لتبدأ من جديد وتصنع ذكريات بديلا لما راح، وبقيت لسنوات أنبش الارض بأظافري كي أجد موطئا وأثبت قدمي فيها، لكني عجزت.. فما جدوى أن تحاول تشغيل آلة الزمن في مكان لا قيمة للزمن فيه، وما قيمة أحلام في محيط لا يحب أن يكون عندك حلم أو أمل، وأي طموح ينبت في أرض جفت مياه العطاء فيها، كما بقيت الطموحات التي ضمتها حقيبة الغربة مركونة، تنتظر أن تُشرع النوافذ أبوابها لاستقبال صرخة شاب يريد وطنه آمنا، وأم تزف ابنها لعرسه وليس لقبره، وفتاة تحلم أن تسير آمنة واثقة لا تكسر كرامتها كلمة أو تضرب بحجارة طعن الشرف، ومثقف لا يخاف الطلقة القاتلة وصار يفكر بحرية، وكاتب يقول كلمته بصوت يسمعه الوطن، لأنه يكتب لهذا الوطن. الأحلام والأماني لا تُباع على الأرصفة، بل نحن ننسجها ونصنعها، وتتحقق عندما تفتح بوابات الأمان لاستقبالها، عندما نؤمن أن الاحزاب والطوائف لفئة بينما الوطن للجميع، لنا معا.. وعندما تدور عجلة وطننا عكس ذلك ستموت الأماني وسيضيع الوطن، ونفقد نحن طريق العبور، سواء نحو الحياة أو الموت أو نحو غربة جديدة.. وحتى يحين ذلك الوقت، سأبقى انتظر على بوابة العبور، كي أحمل من جديد أحلامنا وأمانينا، وعندما تضيق بك السبل تعود مجبرا إلى نقطة البدء، فعاودت عبوري من جديد نحو الغربة بحقيبة خاوية وفي قلبي أمل؛ هل سيكون لي عبور آخر نحو وطن سقط التراب من أوراق أشجاره، وطن يستوعب أحلامنا ويعيدنا اليه، وطن نضع شارته على صدورنا ونفخر باسمه نظيفا من تهم أُلصقت به..