العجوز والانتخابات

366

حسن العاني /

لو كانت هناك امرأة تستحق الوصف الشائع “مقطوعة من شجرة”، فإن الخالة فضيلة هي الأولى به،.. سيدة عجوز تخطّت عامها الستين، أمضت حياتها ارملةً بعد وفاة زوجها بالسرطان وهي في ريعان الشباب، وترك لها ولداً رضيعاً لم تخرج بغيره من الدنيا. وقد تقبّلتِ السيدة قسوة القدر راضية صابرة، وبما تحصل عليه من دنانير معدودات لقاء خدمات تقدمها الى هذا المنزل او ذاك، وبما يجود به أولاد الحلال وفاعلو الخير استطاعت ان توفر لولدها “سعدون” فرصة مشواره الدراسي، حتى تخرج في الجامعة، وكانت فرحتها موشومة بالدموع، وهو يعمل على إنجاز معاملة التعيين استاذاً “معيداً” في الكلية، لأنه حاز المرتبة الاولى على دورته..

كانت أحلام الخالة فضيلة “وقد انحنى الظهر واشتعل الرأس حزناً” بوسع الكون، وهي تتأمل قابل الأيام، أنها سترتاح اخيراً وتضع حداً لخدماتها المنزلية، وكانت ثقتها عالية بوفاء ولدها وتربيته الكريمة، بعد ان خبرته وعرفته عن قرب، وهو الذي أمضى حياته معها، ينتظر “العطلة الصيفية” لكي “ينزل” الى العمل منذ اليوم الأول، غير ملتفتٍ الى نوعه أو صعوبته، يجمع الدرهم على الدرهم، من دون ان يتصرف بدينار او يصرف فلساً واحداً من أجوره، ضارباً بسوء النفس الأمّارة بالسوء عرض الحائط، ثم يضع المبلغ كاملاً في يدها، تستعين به على تكاليف المعيشة وإيجار الغرفة ومصاريف الدراسة.. هكذا كانت الأحلام الجميلة على بساطتها، تراود مخيلة السيدة التي أكسبها انحناء الظهر وتجاعيد الوجه لقب العجوز. ومالم يرد على بالها يوماً من قريب او بعيد، ان

ينال سلاحٌ منفلت حياة ابنها بطلقة طائشة، فيما صدرت الموافقة في اليوم الثاني على رحلته الأبدية، من عمادة الكلية على قبوله معيداً!!
نعم.. هي كذلك.. مقطوعة من شجرة حقاً، لا زوج ولا ولد ولا أقارب يسألون عن وحدتها ولقمتها، ولا قوة الأمس وعافيته، لا شيء من أمامها او حولها حيث أجالت الطرف، سوى رحمة الله المؤمنة برحمته، وغير ما يجود به الخيّرون من أصحاب الجود عليها، في السرّ مرةً، وفي العلن مرة أخرى.. وفيما كانت الخالة فضيلة على تلك الحال، اشتعل الشارع والإعلام والمحللون والزعماء بهوس الانتخابات وارتفعت مناسيب الفضائح والشتائم والتسقيط بين المرشحين المتنافسين، حتى أغرقت كل شيء، وأزكمت رائحتها الأنوف.

السيدة العجوز، وقد شحب النظر وتقوّس الظهر وذبل الجسد، تتوكأ على عصاها وتصر على المشاركة، كما لو أن أحداً خدعها بأن الإدلاء بالصوت واجب وطني، أو تكليف شرعي، أو كأن احداً أرعبها بأن الذين لا يذهب الى “المركز” ويدلي بصوته تحجب عنه البطاقة التموينية وتسقط الجنسية، ومصيره في الآخرة نار جهنم!!

الخالة فضيلة، لا تقرأ ولا تكتب –استأثر حضورها باهتمام الكاميرات والإعلاميين لكي يقولوا كلاماً فارغاً عن اهتمام العراقيين بالانتخابات ومشاركتهم الفاعلة فيها- ولذلك سألتها الموظفة عن تسليم الاستمارة الانتخابية، لكي تتولى ملء الاستمارة عنها (خاله.. يا قائمة تنتخبين.. ومنو المرشح اللي تختاري؟)، بالكاد سمعت صوت الموظفة، وردّت عليها [إسمعي بنيتي.. انتخب الشخص اللي يحاسب قاتل إبني ويعدمه أمام عيوني، واللي يوفر لي بطاقة تموينية بيها كل شي.. واللي يصرف لي راتب يكفيني.. واللي يوفر لي العلاج ويجنبني ذلّ السؤال والحاجه.. إنتِ يا بنيتي.. اختاري بدلاً عني المرشح اللي يلبي طلباتي البسيطه.. لأن آني ما أعرف المرشحين ولا القوائم]، اغرورقت عينا الموظفة بالدموع، وقلّبتِ الأسماء والقوائم في ذاكرتها.. وأخيراً وضعتِ الاستمارة في الصندوق فارغة!!