العجوز والذاكرة!

207

حسن العاني  /

كيف تساقطت سنوات العمر من بين يديك كما حبّات الرمل من كفِّ طفلٍ وأنت في غفلة، أفما كنت تدري أن الحياة لعبة كلما طاوعتها وألقيت مرساتك عندها طلباً للراحة أودت بك إلى النهاية، وكأن لا شيء له دوام البقاء والخلود سوى الحزن، وها قد، فجأةً من دون بارقةٍ ولا استئذان، وَهَنَ العظم واشتعل الرأس تعباً، والسنون العجاف تتخلى عن رحمتها، وتقتادك متشفيةً ساخرةً من شيبتك إلى مواجع السبعين.. لا نافذة إلى فرح “ربما” تخبئه قابلات الأيام، ولا ابتسامة على شفة أو طريق، وطريقك ظلمة الليل ووحشة النهار، و”فاطم” التي هي ليست فاطم، أنت تخفي حتى اسمها حرجاً عليها قبل أن يكون عليك.. اسمها سر لا يعرفه غيرها وغيرك- أوقدت لها مصابيح العين. وأسكنتها الروح، ثم اصطفيتها لتكون أحلى الأحلام وأوحد الأماني ومرفأ الرحلة.. اختارت درباً غير دربك، وسكنت قصراً بعيداً عن كوخك، و.. ومازلت بعد الذي والذي تبحث لها عن أعذار، تقول لصبحك: ما عساها تفعل بشراع منهك عصفت به الأمواج ومزقته الريح.. لا ملجأ أمامك يا سيدي العجوز سوى العودة إلى ماضيك.. لا تثر أسى الخلان ولا تتعب روحك، ففاطم أقسى من لوعة الدمع وأبعد من مرمى الصوت..
وقار السبعين، أو لعله سلطان الشيب، كسر الزقّ وحطم الكأس المترعة، وصبرُكَ لا يطفئ جمرة الحزن، فبأي الأثواب تقارع الدنيا، وأنت تحثُ الخطى وحيداً في واديك المقفر، لا سبيل إلى خلاصك إلا الهجرة نحو الأمس، والتواصل مع (الذاكرة)، أوفى الأوفياء وأكرم من عرفتَ، ومع ذلك هجرتها وتعاليت عليها ونسيتها في عنفوانك، ويوم عافك الخلان وأذلتك العافية وشعرت بالغربة وأنك في عصر غير عصرك و.. وفاطم تمرح في قصرها الذهبي تحت عينيك، بعيداً عن كوخك البارد.. فاطم التي حرجاً تتهرب من اسمها الحقيقي، كانت تبني معك على مفاتن القمر بيتَ الأحلام في غابة نائية أرضها ماء وعشب، وسماؤها حكايات ونجوم قبل أن يغتال بريق الأساور نقاوة عينيها فاغتالتك.. عندها لم يبقَ في بيدرك أيها العجوز إلا استجداء الذاكرة، جئتها كسير القلب مهيض الجناح، تطلب صفحها وترجو عفوها، فما رايت في فؤادها غلاً ولا في مقلتيها جفوة، لأنها أنبلُ الأوفياء، وكل ما تبقى لك من زوّادة السفر، فاذا بك –على العهد بها- تنزل ضيعتها معززاً، محتفىً بمقدمه، مرحَّباً بعودته، وكلما غادرتها عاودك الحنين الى بشاشتها فتنفر إليها، ما مرّت ليلة إلا وشددت الرِّحال الى مضاربها وقد أخذ منك الشوق ما يأخذ من العشاق، ثم تشكو إليها ما فعل الدهر، وكيف قطعتِ “المحاذير” سُبُلَ التواصل بينك وبين مدينتك ومسقط رأسك، فما عاد شارع الرشيد متعة النظر، والصبايا الحالمات بالجمال هجرن شارع النهر، واعتكف أبو نوّاس، اعتزل الشعر والسهر، وتوقف غناؤه للصفراء التي لا تنزل الأحزان ساحتها، وارتدتْ ابنة الرافدين المدللة وشاح الخوف، ففي كل زقاق يتصيّد سارق أو ملثّم أو كاتم، وعند كل مفترق طريق لافتة تحجب عنها ضوء الشمس، وتُحّرم عليها الحب، وأنت مثل ثور الحقل تدور وتدور، غريبٌ عن أمِّك بغداد، دونك ودونها أسوارٌ وأسلاك، إذا دخلتها أنكرتك وأنكرتها، لا تكاد تعرفك أو تعرفها.. لولا أنك تشمُّ نكهة حليبها ودفء حضنها، ولولا أنها تشمُّ قميصك ورائحة العشق في عينيك. شقيٌّ أنت أيها العجوز في حضرة ذاكرتك، لا يجدي بكاء الأسى، فتتكئ على عصا الانتظار، متمسكاً بأملٍ سعة الكون أن يأتي يوم وترجع فاطم إلى حلمها القديم، وتعود أمك من غير أسلاك ولاحارس ولا سجّان..