العراق الذي لايموت

456

جواد غلوم/

نعرف بان كل المخلوقات في هذه الحياة تولد وتعيش ردحا من الزمن وبعدها تموت، وهذا حال الكائنات الحيّة كلها بايولوجيا وينسحب الأمر على المراحل الحضارية والعصور التي عاشتها الشعوب التي تمرّ في مرحلة النشوء ثم الارتقاء والازدهار لكنها وهي في عزّ تألقها وزهوها ونمائها تحمل جينات موتها معها، وهذا مانلمسه في حضارات الفراعنة والاغريق وبابل وآشور وبقية حضارات الشرق والغرب معا.
كل كائن حيّ – حتى في ذروة صحوه وعافيته ورقيّه وسطوته – يحمل جينات موته مهما تطاول به العمر.
وكل حضارة مهما امتدت ونبغت وتألقت سيختفي ضوؤها وتتقلص تدريجيا بحيث يكون قبرها اكثر سعة منها.
وقد لايعرف القارئ ان حيوانا واحدا اكتشفه علماء الأحياء اسمه “تيولا” لايموت أبدا ؛ فبدلا من ان يمرّ بمرحلة البلوغ والنضوج تراه يعود مجددا لمرحلته الطفولية الأولى ولا يدخل مرحلة الكهولة والعجز مهما امتدت به السنون، وكأنه نال فتاتَ عشبة خلوده من أفعى جلجامش التي اختطفتها من يده حينما كان يمرح في جنائن بابل وبلغ ذروة سعادته عندما ظفر بمضغة الخلود في تلك العشبة السحرية.
ولأن جدّنا جلجامش من منبت العراق ومحتده الموغل في القِدَم والعراقة وجذر شجرة الحضارة الأولى الخضراء، فانه يبقى خالدا ماجدا هو وموطئ قدمه ومسقط رأسه العراق وكأني ببلادي أخذت صفة هذا الحيوان المسمّى “تيولا” وهو الوحيد من بين كل مخلوقات الدنيا يعاند الموت وينتصر عليه ليعود مجددا الى فترة الحضانة الأولى ويجدد خلاياه ويعود فتيّا يافعا معطاءً.
لكني اقول آسفا ان هذا الكائن وان ارتدى ثوب خلوده وأعاد لنفسه فتوّته فان آلات القتل والإبادة والفناء تترصده فهو عرضة للقتل ولا يقوى وحده على مجابهة السهام والنبال التي تنوشه من كل جانب؛ تماما مثل وطني المبتلي بالحروب والنزاعات لأن الأعداء يعرفون تماما ان بلادي تأبى ويأبى تاريخها ان تموت لهذا يتقصدون قتلها فهي تمشي وتدوس على جراحها وتتكئ على أصفياء أهلها ولو تعثرت لكنها تسمو مجددا.
سأضيف تسمية أخرى وهي “تيولا” لبلادي لتصطفّ مع “أوروك” و “ميزو بوتاميا” و “بابلونيا” وبلاد الرافدين ومابين النهرين في سطور مهابة التاريخ وفي صحائف الحضارة الموغلة في القدَم، والمرصّعة بنياشين المجد.