الفعاليات الثقافية في الدول الديمقراطية

63

د. علي الشلاه شاعر بابلي /

كانت التجارب السلطوية التي خاضها المثقفون في الدول الشمولية مريرة ومكلفة ومثار ندم لسنوات طوال، ولعل تجربة مشاركة المبدعين العراقيين في الفعاليات الثقافية التي أقيمت منذ مطلع السبعينيات حتى سقوط الدكتاتورية من أكثر التجارب سلبية وسوداوية.
فالدول الشمولية لا تحترم الثقافة لفعاليتها الحضارية ولا لأثرها في وعي وسلوك الناس، بل تنظر إليها كوسيلة من وسائل الدعاية لأنظمة دكتاتورية، وربما للدكتاتور نفسه، وتصبح شركاً لتوريط مثقفين عراقيين وعرب وأجانب أحياناً في متواليات المديح الزائف لقتَلة مجرمين ونظام قادم من القرون الوسطى ومقيم فيها، وكلنا يتذكر كيف جُيّش الشعراء العراقيون والعرب للدفاع عن عدي صدام حين قتل أحد عناصر حمايات أبيه ومسرحية سجنه الفجّة، حتى قارنهما عبد الرزاق عبد الواحد بإبراهيم الخليل وولده إسماعيل بقوله ..

ولم يقل رب إسماعيل خذ دمه
لكن فداه ، ألا تفديه يا رجل

ومن عملي ومشاركاتي في عشرات الفعاليات الثقافية العالمية الكبيرة في القارات كلها، فقد تأكدت لي حقيقة مفادها أن الفعاليات الكبرى الناجحة عالمياً هي فعاليات تقوم بها مؤسسات ثقافية مختصة بنوع الفعالية ولا تتدخل الحكومات إلا داعمة ومسهلة للفعالية، وأن الأوطان وثقافاتها هي من تستفيد من هذه الفعاليات المهمة.
تصوروا لو أن الرئيس ترامب يتدخل بنتائج الأوسكار أو أن يتدخل الرئيس الفرنسي بنتائج مهرجان كان أو جائزة غونكور، فما هي المفاهيم التي ستشيع عالمياً من هذه الفعاليات والجوائز.
لذا لابد من أن نغادر، عراقياً، المفاهيم والرؤية الدعائية لمهرجانات الدكتاتورية، وأن تظل الحكومة داعمة للثقافة غير متدخلة بتفاصيلها الموضوعية، فحين تقول عالمياً عن مهرجان ما (هذا مهرجان حكومي) فذلك أكبر نقد سلبي يوجه له، وليس مدحاً كما يفهمه الأعراب ودكتاتورياتهم العتيدة، الذي ما زال بعضنا يظنه صواباً بعد عقدين من سقوط دكتاتوريتنا الفاقعة.. كل عام وأنتم بخير.