القائد العظيم!

460

عامر بدر حسون /

يتفق غالبية المفكرين (في بلاد برّه) على أن الحاجة الى قائد عظيم او بطل منقذ تمثل مرحلة من طفولة وسذاجة أية مجموعة بشرية.

وتعبير الطفولة هنا هو تعبير مخفّف لوصف الجهل والعجز والحيرة والحاجة الى راعٍ وموجّه.

الكثير من الشعوب مرّت بهذه المرحلة او أرغمت عليها، لكنها تجاوزتها بعد أن تخلصت من حاميها.. الذي هو حراميها وجلّادها في الواقع!

***
ما هي أبرز صفات هذا القائد المنتظر؟

اولاً هي امتلاك القدرة على البطش والقتل دون تردد او تأنيب ضمير!
(هو يبدأ القتل بقسوة وترويع عادة بالخارجين على القانون و”الخونة” وبمجموعات منبوذة اجتماعياً لا تجد من يدافع عنها، ثم يصل به الأمر الى قتل أعوان

له بلا تردد او سبب واضح.. المهم ان قدرته على القتل لا ينبغي اختبارها او الشك فيها).

بعد استكمال القائد لأدوات ومنظومة البطش يخضع المجتمع لأفكار منحطة منها:

– أنه يفعل هذه الأشياء من أجلنا.. ولو تركنا نتصرف بحريتنا لأكلنا بعضنا البعض!

– نحن نفكر كأفراد بأشياء تافهة، لكنه يفكر بأشياء كبيرة جداً: الوطن.. الأمة.. الأمجاد والخ!

وحتى عندما يشمل القتل الأبرياء تردّ المجموعة على من يسأل لماذا؟:

– ولماذا لم يسجنك أنت او يقتلك؟! لا بد من أنهم فعلوا أشياء لا نعرفها نحن لكنه يعرف!

ولو تم التأكد أن من تم قتلهم هم أبرياء فعلا يأتي التبرير:

– لا بد في معركة كبيرة كـ “معركتنا” من وقوع ضحايا او أخطاء!

المهم أن القائد لايخطئ وحتى إن أخطأ فان الخطأ مبرر سلفاً.

***

ليس مهماً (بعد حصول هذا) ما يقوله القائد المنقذ، فهو نفسه لم يعد يكترث بالقول او بالتبرير لأفعاله.

بل أن ثرثرته وتناقضاته في المواقف والأقوال تتحول الى منظومة “فكرية راقية” تُدرّس في كل محفل حتى تغطي منافذ العقل.
من يقوم بتسويق هذه القيم والثوابت؟

هناك جيش من الكتّاب والفنانين وعموم المؤثرين في المجتمع، يقومون بتسويق وتسويغ هذا، وهو جيش لا يقل إرهاباً عن إرهاب القوى المسلحة للقائد.

لم يعد ثمّة منفذ او مهرب للمجتمع المعزول والمحاصر.. المجتمع الذي يردد كثير من أفراده آيات التسبيح بحزم وعدالة القائد الوحيد.

ويختفي الفاصل بين الحب والخوف.. ويشعر البعض بالحب للقائد لأنه لم يشمله بالقتل وحسب!

***

بمضيّ الوقت يصاب المجتمع بالشلل العقلي والفكري وتتوقف فيه روح الإبداع..

وحتى هذه اللحظة يبدو أن لا مشكلة، فالحياة بهذه الطريقة تشبه القدر المحتوم!

لكن دوام الحال من المحال.. ومن رضي بـ “البين” سيجد أن البين لا يرضى به!

ففي لحظة النهاية المحتمة لهذا القائد سيكتشف الجميع أن وجوده كان كارثة وأن رحيله هو أيضاً كارثة!

لقد كان القائد يمسك بكل الخيوط، وعندما شلّت يده وافلتت الخيوط منها تفرق الجميع أيدي سبأ! وبدا المجتمع وكأنه يريد أن يأكل بعضه.. وكل مجموعة

تظن أن فيها المنقذ فتحاول اقتفاء خطى من تخلصت منه!

لن تصبح قائداً إن لم تستخدم أساليب وأدوات المنقذ او الجلّاد القديم!

هل رأيت الدوامة المهلكة؟!

مع التحية والمواساة للحالمين بمنقذ ومخلص وهم لا يعرفون أنه سيقودهم للحفرة المهينة من جديد!