القراءة والكتابة

619

عواد ناصر/

القراءة، عندي، متعة والكتابة تعذيب. لذلك أحب القراءة لكنني لا أكره الكتابة، برغم قسوتها. القراءة اختيار والكتابة اضطرار. ما يختاره المرء غير ما يضطر إليه. أن تقرأ ما تختاره أمر خاص وشخصي مثل اختيار عطرك أو قميصك أو الذهاب في نزهة مشياً أو على دراجة هوائية. في الكتابة مسؤولية المشاركة مع آخرين: يعجبهم أو لا يعجبهم. القراءة تسبق أي فعل إنساني: ما أن يولد الإنسان يبدأ بالتطلع إلى ما ومن حوله. إنه يقرأ العالم بعيني طفل ويشم روائح الوجود ويلمس أصابع الناس وأولهم، طبعاً، أمه أقرب “الكتب” إلى حواسه. يشب ويكبر فتدب الشياطين تحت جلده: قل شيئاً!

لكن ليس كل الناس بإمكانهم أن “يقولوا شيئاً”.

ثمة شيطان خاص يقبع تحت اللسان يحكه وشيطان تحت القلب يدعوه وشيطان في الرأس يحرضه. ثلاثة شياطين لا بد منهما كي تتحول القراءة إلى كتابة. لكن لا تجتمع الشياطين الثلاثة إلا نادراً، لهذا فالقراء كثيرون والكتاب نادرون. الحواس، كلها، مصادر للكتابة. الروائح والأصوات والملموسات والمرئيات والمتذوَّقات تدخل، جميعاً، في جسم الكتابة، كما تدخل في جسم الإنسان. قال ألبيرت كامو، الذي لا أحبه، الثقافة هي مقدار ما يترسب (في الرأس).

لوقرأنا رسالة النمساوي/ الألماني هاينر ماريا ريلكه إلى شاعر شاب لعرفنا المغزى العميق للقراءة قبل الكتابة. إنه ينصح بأهمية السفر ومراقبة المرأة لحظة الطلق وأسماء أصدقاء الطفولة وروائح التوابل والكتب الأولى… إلخ.

لكن سؤاله الأول للشاعر الشاب كان: “هل أنت مضطر للكتابة؟”. إذا كانت القراءة “مرضنا الجميل” فالكتابة كشف صريح لأوجاع العالم، وبذا تكون (الكتابة) آخر العلاج الكي. هل الكتابة مرض جميل، أو غير جميل؟.. هل هي علاج؟ هل هي كلاهما؟ هل الكتابة عالم من الوهم يحاول الكاتب جعله بديلاً عن الواقع، يدحضه أو يجمله أو يضيف إليه أو يخدعه؟

صحيح أن الكلمات عالم مدهش ومتنوع وزاخر بالدلالات والصور والإحالات، لكن أهم خصائصها هو الغموض الجواني الذي تستبطنه في لعبة هي في منتهى الجد، وأجمل ما فيها قابليتها على التأويل المتعدد.. بلا هذا التأويل المتعدد ستكون الكلمة مرآة لا تعكس غير ما يقف بمواجهتها بحياد أبله.وحسب المصري علاء الأسواني فإن الروائي، مثلاً، يشبه ذلك الذي يختبئ خلف الستارة ويحرك (الأراكوز) فإذا ما ظهر ستفسد اللعبة. تأليف الكتب عند الكثير من كتابنا هو تأكيد الذات..

إشباع غرور أو البحث عن مكان على الورق أو الإنترنت.. إعلان عن الذات، وعند البعض الآخر محاولة للمشاركة الفكرية والجمالية، عبر الكتابة والقراءة، مع العالم، كما يقول البريطاني جورج هاملتون. ترمي تلك المشاركة المقصودة إلى ما يحتمل التغيير: كل كتاب إضافة تغير قارئها، وإلا فلا ضرورة لمشاركة لا تغيّر.

ويضيف هاملتون يقول: لكل كاتب أسبابه المختلفة، وكذلك الرسام والنحات. الكتابة تجربة شخصية جدا، إنها، في الأساس، طريقة أسلوب مشاركة مع العالم عبر الأفكار.

تقول الكاتبة البريطانية آن فاين، في مقابلة نشرت في ملحق (الفايننشال تايمس) في معرض الحديث عن بدايتها في عالم الكتب وتأليفها: (بحثت في البيت عن كتاب أقرأه فلم أجد، عندها قررت أن أشرع في تأليف كتاب ما..).