القصيدة التي جعلتْ العشّاق يغلقون أقفالهم على الجسور

325

جواد غلّوم /

يتبادل كل من الرجل والمرأة الاتهامات بشأن الوفاء بعهد العلاقة الحميمية بينهما، فنلحظ الرجل يتّهم محبوبته بأنها أقلّ وفاءً وتضحيةً؛ إذ تقول قصة شائعة إن حبيبين اتفقا على إنهاء حياتهما انتحاراً بعد ان سُدّت كل أبواب الأمل بينهما للاقتران، فوقفا على أحد الجسور ليرميا نفسيهما في الماء غرقاً وكان الرجل هو الأسبق فرمى بنفسه وغرق؛ لكن المرأة لم تفعل مافعله حبيبها فتراجعت وعادت الى بيتها سالمة غير عابئة برحيل حبيبها، لهذا شاعت المقولة: النساء أولاً، ولا يخفى على ما في هذه الجملة من وخزة مؤلمة تفوق التندّر والسخرية المرّة.

لكن المرأة هي الأخرى تتهم الرجل بانعدام وفائه وكثيراً ما كان حبيبها يتنقل من قلب امراة الى اخرى وقصة الفتاة الصربية المعلمة الجميلة “نَدي” مع حبيبها الضابط “ريليا” ليست قصة اسطورية، اذ كانا يلتقيان على الجسر القائم في ضواحي مدينتهما الصغيرة “فرنياتشكا” بشكلٍ دائم ويقضيان مشوارهما هناك، لكن الحرب العالمية الاولى – وما أقساها – قد اندلعت حيث استدعي الضابط الشاب العاشق “ريليا” للقتال في احدى الجزر اليونانية تاركاً عشيقته تهيم كل يوم على الجسر وحدها وتذرعه طولاً وعرضاً انتظاراً لحبيبها دون ان تيأس، لكن العاشق المارق خذلَها وأحبّ فتاة يونانية وأرسل الى حبيبته الأولى بلاغاً بفسخ الخطوبة؛ وما أن صدمت بهذا الخبر حتى امتلأت بالحسرة والأسى وأخذت تذبل وتنحل تدريجياً الى أن ماتت حزناً وكمَداً .

بعد هذه المأساة التي حلّت بالعاشقة “ندي” ومرور سنوات حتى كادت ان تُنسى؛ كتبت الشاعرة الصربية “ديسانكا” قصيدة (صلاة من اجل الحب) للتذكير بحادثة العاشقَين “ندي و ريليا” وفيها مقطع مؤثر تقول فيه :

تعالا ؛ ايها العاشقان

أقيما برهةً في هذا المكان

قفا على الجسر

انه مرتع الهوى المذبوح

هنا نحبتْ مشاويرُ الحب

ارميا مفتاح الحب في الماء ليخلد في قعر النهر
ديسانكا الشاعرة هي وحدها من خلّدت هذه المأساة التي حاقت بالحبيبين، وعلى اثر هذه الحادثة المؤسفة توسعت عادة غلق الأقفال على مفاصل الجسور ورمي مفاتيحها في النهر كما تفعل الفتيات والفتيان حالياً على جسر الفنون في باريس الأشهر عالمياً في رصف الأقفال وتراكمها باعتبارها عاصمة للرومانسية والحب ومدينة النور والأضواء الدائمة، رغم توجيهات بلدية مدينة النور بالتخفيف منها خوفاً من ثقل الأقفال الحديدية والتي قد يصل الى نحو مليون قطعة، ولم تنفع توسلات البلدية للحدّ من هذه الظاهرة والتعبير بطريقة اخرى لإبراز الحب بتقليعة جديدة غير الأقفال وذلك من خلال اللافتات التي تمنع وضع القفل ولكن بطريقة مهذبة، كأن تقول (باريس تشكركم لو امتنعتم عن وضع الاقفال) أو (هلا عبّرتم عن حبكم بطرائق اخرى دون ان ترهقوا الجسر) وتلجأ الحكومة الى قطعها بمناشير حديدية بين آونة واخرى، فهذه العادة ليست فرنسية أصلاً كما يخيّل الى البعض مع أنه الجسر الأشهر في إحكام الأقفال ورمي مفاتيحها في نهر السين، انما هي مستوحاة من الإرث الصربي مثلما هي خالدة عندنا في قصة قيس وليلى عند العرب وروميو وجوليت لدى الانجليز وقصة شيرين وفرهاد في التراث التركي .