القضية باختصار!

32

#خليك_بالبيت

حسن العاني /

هي على وجه التمام والكمال ثماني سنوات من الحرب الطاحنة بين الجارين المسلمين (العراق وإيران)، خلّفتْ وراءها ملايين القتلى والجرحى والمعوقين والأرامل واليتامى وعذابات الأسر وخرائب المدن، وخسر فيها البلدان آلاف المليارات من الدنانير والتومانات والدولارات التي كان بمقدورها، لو تحكّمتْ بها عقول حكيمة، أن تحيل هذين البلدين الغنيين بأعظم عظائم الثروات إلى جنّة من الإعمار والرفاهية والتمدن والتحضر بدلاً من إحالتهما إلى أكبر مستوردَين للأسلحة في التاريخ الحديث. ومع ذلك خرجت عساكر المعسكرين وهي تتبجح بانتصارات وهمية مزعومة، لا وجود لها إلا في المخيلة المكابرة، ونحن لا ندري أين تكمن معالم النصر وغنائمه، ولماذا تصدح أناشيد الرابح الأكبر في البلدين وليس فيهما بيت من الشمال إلى الجنوب لم يمسّهُ الحزن والدمار…
و… وخرجنا بعد الثماني العجاف من سنوات الدم بذراع مقطوعة أو ساق مبتورة أو خوف مزمن أو مرض لا شفاء منه وبجيوب فارغة، ودولة لا تعرفُ ديونها لكثرة دائنيها. ومع ذلك كلٌّ منا يدّعي أنه الغالب، ونحنُ نجهلُ من هو الغالب وما هي آيته، ولا ندري لماذا قامت الحرب وكيف انتهى فصلُها الأخير بذلك المشهد المسرحي المثير للجدل. لكننا أدركنا شيئاً واحداً ولم ندرك غيره، وهو أننا- أعني الوقود والضحايا والجرحى والأرامل وذوي العاهات الجسدية والنفسية- المغلوبون الوحيدون على مدى ثمانية أعوام خالية من حقوق الإنسان والرحمة وأخلاق الفرسان، وقبل ذلك مبادئ الدين الحنيف..
منذ افتتح الإنسان بوابة الحروب قبل آلاف السنين وعشاق الدماء ومرضى الأسلحة، لا يسألون في شعوبهم ولا عنها… ولأنهم لا يحسنون لغة الحوار والتفاهم والدبلوماسية والسلام، فإن وجودهم رهن بوجود الحروب. أما الرعية فلا وزن لها في الميزان.. نحن رعية من غير ثمن.. نغزو الكويت.. نتلقى العواقب الأممية، (نتبهذل) ويتبهذل جيشنا، نأكل الرمل على أنه دقيق.. لا ماء، لا كهرباء، لا خدمات ونحن منتصرون (ويا محلى النصر بعون الله)، ونتلفت ذات اليمين وذات الشمال وكلبنا باسط ذراعيه بالوصيد ونحن نتساءل: أين هو النصر، في أية مدرسة من الطين، وأي بطن أتعبه الجوع يختبئ النصر!؟ هل في الحصار مثلاً أم في غرور القائد الملهم أم في قمصان عدي المزكرشة؟ ولم يكن سلفكم يا مرضى الأسلحة وعشاق الدماء منذ ابتكرت البشرية أول أداةٍ جارحة للقتال، أفضل رأياً ولا أحسن سلوكاً منكم، أهانوا الأمة في ستة أيام حزيرانية وهم يرفعون رايات النصر… وينفخون في قِربةٍ فلسفية مثقوبة (خسرنا معركة ولم نخسر حرباً)!!
تلك هي الحال وشيوخ الحرب قبل “الربيع العربي” ، وفي أثنائه، وعلى امتداد خارطة الضاد يتحدثون عن نصرٍ مزعوم وانتصارات رأينا بعض صورها في اليمن التي انكسر سدُّها وأغرق مأربها الجميع، وفي ليبيا التي تتوجه نحو انقسام شعبها، وفي دمار لبنان مصيف الأمة وعروس العرب، وفي فلسطين تحت اللحى الحماسية والخطب الحماسية و”العنتريات التي ما قتلت ذبابة” وفي.. وفي.. فأين هو نصر الله الذي وعدونا به، وليس غير عوزنا وفقرنا ودمائنا وشهدائنا -نحن الرعية- من يرسم مشهد الأرض وحقيقة ما يجري، نحن فقط من يدفع فاتورة النصر الذي باسمه نموت ونحزن ونعطش لكي يعيشوا ويفرحوا ويشربوا الأنخاب…
هل سمعتم يوماً أن شظية تجرأت على المرور قريباً من أحد زعماء أمتنا، أو أحد أنجاله أو أزواجه أو جواريه أو حاشيته.. ويا محلى النصر بعون الله.. نرددها قبل الأمس وبالأمس واليوم حتى تعبنا منها وتعبتْ منا، وإسرائيل – موطن الجريمة وعنوان الاغتصاب العلني- تقيم كل يوم مجزرة تقشعر لها الضمائر الشريفة.. تلك هي المفارقة المبكية.. إسرائيل تقتل صامتة بدم بارد، لإدراكها أن ثلاثة أرباع قادتنا من (الخليج الثائر إلى المحيط الهادر) يهددون على رؤوس الأشهاد برمي إسرائيل في البحر، أما في السر فلا تعنيهم إسرائيل ولا موزمبيق ولا نيجيريا ولا العالم كله، لأن شعارهم الوحيد الذي لا يعلو عليه شعار: الزعامة لنا والموت للشعوب.. وتلك هي القضية باختصار!!