الكاتب واللغة الأخرى

701

عواد ناصر/

من البديهي أن أغلب كتاب العالم كتبوا بلغاتهم الأم، واللغة الأم هي الوجه التعبيري للوطن، مهما تعددت لغات الوطن وتنوعت لهجاته، وإن ثمة لغة كبرى هيمنت على نطق الناس وتدويناتهم ورسائلهم وتعاملاتهم اليومية.
بالمقابل ثمة كتاب كثيرون اختاروا (أو اضطروا!) إلى اللجوء للغة الأخرى، غير لغتهم الأم، للتعبير عن أفكارهم ورؤيتهم الجمالية للعالم بديلاً عن الواقع اللغوي الأول، تحت سمائهم الأولى، عندما بدأوا الكتابة شباناً.. ولائحة الأسماء أطول كثيراً من حيز هذا العمود الضيق.
تتعد أسباب اللجوء إلى اللغة الأخرى، وسيلة تعبير بديلة عن اللغة الأم، من كاتب إلى آخر، إلا أن البحث عن الحرية اللغوية تكاد تكون على رأس أولويات مثل هؤلاء الكتاب. لنتخيل مساحة القراءة الضيقة التي يتنفس فيها كاتب/قارئ يتعاطى لغة الأوردو الهندية أو باللغة الصينية أو حتى البولونية، أمثلة لا حصراً، فكيف بالكاتب العربي، أو الكردي، الذي لا يستطيع النفاذ من أسوار لغته الأم؟
القارئ أيضاً طرف في معادلة اللغة الأم/اللغة الأخرى، سواء كان قارئاً، حسب، أو كاتباً أيضاً، تدخل القراءة بلغة أخرى في جوهر عمله الإبداعي. كلما أتيحت لهذا القارئ خيارات لغوية أخرى، غير لغته القومية، سينفتح على تجارب عالمية مدهشة، في شتى أنواع المعرفة.
لا أطالب بأن يكون الكاتب/القارئ عالماً لغوياً أو يجيد عدداً من اللغات، بل أن يستطيع الكتابة أو القراءة باللغة الأكثر انتشاراً في العالم كاللغة الإنكليزية، مثلاً (وهذا ما أطالب به نفسي أيضاً قبل غيري).
“اضطر (جوزيف كونراد، البولوني الأصل) أنْ يصحح سوء الفهم هذا في “ملاحظة المؤلف” في مذكراته “سجل شحصي” حيث يذكر: في حقيقة الأمر أنّْ مقدرتي على الكتابة باللغة الإنكليزية، هي مقدرة طبيعية اكتسبتها منذ ولادتي، فأنا أمتلك مشاعر الغرابة، ومشاعر القدرة الفائقة اللتين ورثتهما وأصبحتا جزءاً من كياني ولم تكن اللغة الإنكليزية بالنسبة لي مسألة اختيار أو تبنّ. وفكرة الاختيار لم تدخل ذهني أبداً، أنه تبنٍّ حسب – نعم هناك تبنٍّ. ولكنني أنا المُتبنَّى من اللغة الإنكليزية الملهمة. وقد خرجت مباشرة من مرحلة التلعثم التي جعلت مني جزءاً كاملاً لها. وإنّْ اصطلاحاتها التي أؤمن بها كان لها تأثير كبير على مزاجي وأسلوبي وشخصيتي. (ترجمة خضير عباس اللامي – موقع ثقافات)”.
لتقريب الفكرة أكثر: كيف يقرأ القارئ العربي، في العراق نصاً كردياً، وبالعكس؟.. وشاعر الكرد شيركو بي كه س وصف الترجمة بأنها “قبلة من وراء الزجاج”. أليست مشكلة ثقافية معقدة أن لا ليس بمقدور العربي والكردي، في العراق، قراءة كل منهما ثقافة الآخر المكتوبة، وهما يشتركان في التراب والحلم والدم؟ لكن السؤال الأهم هو: كم قارئاً أجنبياً سيقرأ قصيدة عربية أو كردية؟
انفتاح اللغات على بعضها ليست مشكلة تقنية، فقط، إنما هي ثمرة انفتاح عقلي/ثقافي بعيداً عن خطاب البروبغاندا الشوفيني الذي يقصي أي ثقافة أخرى “دخيلة” أو “مستوردة” بدعوى الحفاظ على “نقاء” الثقافة القومية، والمقصود فعلاً هو إقصاء إنسانية اللغة في حواراتها المنتجة، عبر القارات والإمعان في تجهيل المواطن بإغلاق مسارب ذوقه وتطلعه الملح إلى معرفة الآخر البعيد، بل القريب، حتى من يشاركه التراب والحلم والدم.