الكرة والدستور!!

388

حسن العاني /

في لهجات العالم كلها، ولا تخرج عن ذلك اللهجة المحلية العراقية، هناك ظاهرة شائعة، تتمثل في إطلاق أكثر من تسمية على الشيء الواحد، وأحياناً تتفق التسميات على مفردة واحدة من حيث الكتابة الإملائية، ولكنها تتباين من حيث النطق بين مدينة وأخرى، بل قد تتباين احياناً بين المحلات في المدينة الواحدة، والأمثلة أكثر من ان يحاط بها، فالوالدة يمكن أن تخاطَب بلفظ (ماما) أو (يمّه) أو (يوم)، وفي الأحياء الارستقراطية (مامي)، وكذلك الأمر بالنسبةِ للأب او الجدة، فهي (بيبي) و(جدة) و(حبّوبة) و(يدّة) في أغلب مدن جنوبي العراق!!

بالتأكيد لا أدّعي أية بطولة تذكر في ميدان اللغة الفصحى واللهجات المحلية، ولكنني تنبّهت عبر الملاحظة المستمرة، إلى أن أي شيء تتعدد أسماؤه، يمتلك في الحقيقة اسماً واحداً فقط، أما المسميات الأخرى فهي صفات أو كنايات تعبر عن الوظيفة أو المكان.. الخ، فاسم الأسد مثلاً هو “أسد”، أما الليث والغضنفر والسبع وملك الغابة.. الخ فهي صفات أو ألقاب، وكذلك هي الحال بالنسبة للسيف، فهو (سيف) على الرغم من كثرة نعوته كالحسام والفيصل والمهند.. الخ.

من الأهمية اللغوية بمكان، الانتباه إلى أن (الكُنى والألقاب) يمكن أن تعوض عن الاسم، وتُغني عنه، وفي كثير من الأحيان تطغى عليه، وتكون سبباً رئيساً في إهماله، أو نسيانه على وجه الدقّة، ولهذا فإن نسبة كبيرة منا تجهل من هو (الحسن بن هانئ) ولكنها تعرف (أبو نؤاس) جيداً، كذلك هو الأمر مع المتنبي مثلاً والمعري والجاحظ والفارابي وابن زيدون، وغيرهم من الأدباء والعلماء والفلاسفة وكبار الرموز، وقل مثل هذا عن حكومات الشراكة والمحاصصة والتوافق.. التي طغت على الاسم الأصلي وهو (الحكومة العراقية). ولا يختلف المعيار في لقب (برلمان المصفحات) الذي أصبح بديلاً عن “البرلمان العراقي” و(أحزاب السلطة” التي حلت محل أسمائها الحقيقية، وغير ذلك كثير بما في ذلك أحزاب المعارضة!!

من بين المفردات التي استرعت انتباهي، ووقفتُ طويلاً عندها، بسبب التباينات العديدة، والكم الكبير من الأسماء والألقاب والصفات، هي كلمة “الكرة” التي يطلق عليها الإنجليز اسم (بول)، والمفارقة المناطقية في هذه المفردة، أننا نستعملها في العراق لأغراض المزاح بصورة عامة، وللشتيمةِ بصورة خاصة، حتى أنّ الناس بعد أنْ صحَتْ من فضيحة الاحتلال الموجعة، كانت تضحك وتندبُ حظها في الوقت نفسه، من اسم الحاكم المدني (بول بريمر)، وتقول ساخرة متشفية (اسم على مسمى)، لأنه وراء فضيحة الطائفية، ووراء مصائب البلاد بلا استثناء!!

على أن القضية تتعدى حدود التباين بيننا وبين الأجانب، إلى التباين المحلي في داخل العراق، فأهل الهندسة مثلاً يميلون الى اسم “الكرة”، لأنه ينسجم مع شكلها الهندسي، كما هو الحال مع الكرة الأرضية، أو أي جسم له شكل كروي، أما عامة الشعب فيسمونها “طوبة”، ويبدو على ما أظن، أنهم اشتقوا التسمية من الصوت المنبعث عند ضرب الكرة أو دحرجتها، فهي تُصدِرُ (طبطبة)، أي (طب..طب..طب)، وعند سكنة أعالي الفرات اسمها (طُبّة-بضم الطاء وتشديد الباء)، وفي الموصل تُدعى (طابي)، ويلاحظ بأن العراقيين استعاروا لفظة (الطوبة) استعارة بلاغية رائعة عندما وصفوا كل من آذاهم أو أتعبهم، سواء كان مؤسسة أو فرداً على النحو التالي (لِعبْ بينه طوبة). على أن أغرب ما وقفتُ عليه، هو ما ابتكرته الطبقة السياسية حين أطلقت على (الدستور) اسم “الكرة” لأنهم يلعبون به كما يريدون وتشتهي مصالحهم، فمرةً هو مقدس لا يمسّه إلا المطهّرون، ويحلفون برأسه، ومن يخرج عنه كمن يخرج من الجنّة، ومرة لا يلتزمون به ولا يحترمونه ولا يقيمون له وزناً ويتحدثون علانية عن أخطائه ومطبّاته وفضائحه.. والشيء بالشيء يذكر، فأهل اللغة يقولون: إن أصل كلمة دستور جاء من (دستر الشيء يدستره)، أي رتّب الأمر مسبقاً على مزاجه.. وقيل غير ذلك والله أعلم!!