الكرخُ والرصافةُ.. فقط !

36

جمعة اللامي /

“عندما ينتهي القانونُ، يبدأ الطغيانُ”
(جون لوك : 1632 ـــ 1704)

افتقدتُ رفيق العمر: غريب المتروك، فرحتُ أبحث عنه. لم أجدهُ في سوق الفحم، ولم أعثر له على أثر في سوق الطيور والغنم، وفشلتُ في معرفة أي خبر عنه عندما قصدت عريش أحد أصحابنا عند ساحل البحر، فقلت ربما أجده عند قصر الرمل. وهكذا قصدت العريش، فوجدته كما تركته قبل ربع قرن: الريح تلاعب سَعفاته، والبساط القديم لا يزال كما هو، وزير الماء في ذاته، حتى المرآة لم تتحرك، أو لم يحركها أحد.
أخذت أجول ببصري، هناك، وهناك وهناك، فوجدت قرطاساً عتيقاً، عرفت عليه خطَّ المتروك، وهو يقول: اقصدني عند منزل صاحبنا “الحكيم”. وهكذا شددت الرحال، ولكي تصل إلى “بيت الحكيم” عليك أن تمرّ على حظائر إبل، وتقترب من اسطبلات خيل، وتحاذي منازل بشر اختصموا مع الدنيا وزخرفها. فهذا الرجل لا يملكه أحدٌ لأنه لا يملك شيئاً، ولا يتحكم برقاب بشر، لأنه حرّ بالسلالة والثقافة.
ولقد عجبت من أمر صاحبي المتروك، كيف اهتدى إلى “الحكيم”. لكنها المصائر الكبرى، والنفوس الأبية تنجذب إلى نظائرها، والطيور على أشكالها تقع، ورُبَّ أخٍ لم تلده أمك. وهكذا هو حال غريب المتروك مع صاحبه الحكيم، وهذه حالتي مع صاحبي المتروك أيضاً.
والحكاية طويلة، وربما يأتي علينا حين من الدهر، فنرويها على مسامع القراء الكرام، لكنني سأتوقف، الآن، وقد وصلت إلى غريب المتروك، فوجدته وحيداً وغارقاً في ضحكة طويلة متصلة، وكلما سألته التوقف عن الضحك، أشارَ إليّ شارقاً: لحظة، لحظة، يا صاح!
قلت: بالله عليك، قُل لي ما يُضحككَ؟
ـــ “غالباً ما أستمع من صاحبنا الحكيم إلى مُلَح ونوادر، آخرها هي التي تُضحك الثكلى.”
ـــ “وما هي؟”
– هناك رجل من أقرباء أحد الباشوات العراقيين، أخذ يشكو فقر حاله بين يدي سيده، فسأله هذا الأخير: “سَلْ، تُعطَ، وقُل ما بدا لك!”
ـــ “أنت، يا بن العم، تعلم أنني لا امتلك إلاّ قِطعَتَي أرض في الكَرْخاء. الأولى اسمها “الكرخ” والثانية هي “الرصافة”.
ـــ “وماذا تريد غيرهما؟” سأل الباشا قريبه.
ـــ “قطعة أخرى اسمها دَسْتمِيسان.”