اللغة والنسوان والمظلومية!!

670

حسن العاني/

قبل عشر سنوات أو يزيد، وقفت على مقالةٍ غاية في الظرافة والامتاع، ومع انني بكل حزن وأسف، ما عدت أذكر كاتبها، ولا في أي مطبوع نشرت، كما نسيت الكثير من تفاصيلها، ولكن ما تبقى منها في ذاكرتي، مازال مفعما بالطراوة والحلاوة، فقد قال الكاتب ما معناه: إن اللغة العربية قبل الرجل، ظلمت المرأة ظلماً عظيماً وغير مبرر، وأوردَ لذلك عدة أمثلة من بينها، إن النساء مهما بلغتْ عناوينهن في الدولة، يجب إستعمالها بصيغة المذكر، على غرار (المدير العام سها الجبوري) وليس (المديرة العامة سها الجبوري)، والأمر نفسه يسري على العناوين الوظيفية العالية الأخرى، كما نلاحظ إن اللغة أعطت الغلبة للمذكر وإنْ قلَّ شأنه كماً أو نوعه (الشمس والقمر يتناوبان)، فالفعل يتناوبان بصيغة التذكير مع إن الشمس أكبر من القمر بمئات المرات، وهي مصدر الضوء وهو جسم معتم، وتبدو المصيبة أعظم في أمثلة أخرى (الطبيبات والمريض المجنون دخلوا صالة العمليات)، حيث الفعل (دخلوا) مذكر، ومحلى بواو الجماعة الذكوري، في حين إنّ المريض مفرد والطبيبات جمع!!
ومن غرائب اللغة العربية، إنها أوجبتْ أن يكون مفرد جمعِ المذكر السالم (عاقلا).. (معلم-معلمون/محمد-محمدون)، ولكنها لم توجب ذلك في جمع المؤنث السالم (عالمة-عالمات/بقرة-بقرات)، إنه أمرٌ قاسٍ حقاً ومؤلم، وذهب التمادي إلى أبعد من هذا، فقد عدّتِ اللغة المرأة كائناً غير منسجم مع فصيلته، ولذلك يُجمعُ الرجلُ على (رجال)، بينما تُجمعُ المرأة على (نساء) و(نسوان) وأحياناً (نساوين)، وهذا يعني إن الرجل يُجمع من حروفه ومن جنسه بخلاف المرأة، ولعل الطامة الكبرى إن اللغة أصرّتْ على منحِ المؤنث حرفاً يميزه وكأنه نكرةٌ يحتاج الى تعريف، فابتدعت (تاء التأنيث الساكنة)، ثم انظروا ماذا قالت عن هذه التاء (لا محل لها من الاعراب)!!
ولأن المرأة أعظم الماكرين على وجه الأرض، فقد ثأرتْ لنفسها من الرجل، مع إنه لم يظلمها، بل اللغة هي التي إضطهدتها، وأول اساليب المكر التي لجأت اليها هي رفع شعار المظلومية والدعوة الى المساواة بالرجل، وقد إنطلتْ هذه الدعوة على مليارات الرجال خوفاً أو جهلاً أو نفاقاً، وإلا فالمرأة كالرجل، تعمل وتدفع التوقيفات التقاعدية وتحب وتكره وتصوم وتصلي وتحج وتقود سيارة وتسرق وترتشي وتغني وترقص وتمشي (على حل شعرها)، وبحيلة المظلومية والمساواة، أصبح الرجل وحده من يتحمل تكاليف المهر والشبكة والحفلة والزواج والانفاق على الأسرة، وعند الطلاق وبأسم المظلومية تستولي المرأة على أثاث المنزل بالقانون، وبالقانون تحصل على النفقة، و.. وأخيراً، هل سمعتم امرأة واحدة تتغنى بواو الجماعة المذكر؟ بينما إسمعوا كم مليون شاعر مغفل تغنّى بنون النسوة المؤنث، ألا يعني هذا إنّ الرجال هم المظلومون ورب الكعبةِ، والمضحوك عليهم بامتياز، فهل آن لهم تصويب لغتهم حتى لا يبقى للنسوان عذر!!