المثقف الكبير!!

434

حسن العاني/

لهذا السبب أو ذاك، نطلق على أحدهم أحيانا سواء كان طفلا أم ولدا، شابا أم شيخا، معلما أم موظفاً من باب التحبب، أو لطغيان ظاهرة على سلوكه تلفت الأنظار.. لقبا معينا يتناسب مع شخصيته.. وقد حظى صديقنا عبد الله العراقي على لقب (المثقف) هكذا درجنا على أستعمال هذه المفردة، مرة لأغراض المزاح أو السخرية، ومرة نقولها ونعيشها بكل جدية، خاصة في غيابه، لانه يستحق ذلك، فالرجل قارىء موسوعي لشتى أنواع المعرفة ومتابع دقيق لأخبار وسائل الاعلام، ويحرص الحرص كله على ان لا تفاوته فعالية حياتية، فهو زائر مدمن للمعارض الفنية والمسارح ودور السينما والأماسي الثقافية، هذا غير كونه شديد الميل الى الحوارات الجادة ويصغي الى محاوريه باحترام كبير، ويطرح أفكارا غير مسبوقة ولا يبالي في الاعتراض على عشرات الطروحات الفكرية التي يتداولها كثير من المتعلمين والمثقفين، على أنها مسلمات.. كذلك كان صديقنا العراقي منذ تعرفنا عليه قبل أكثر من اربعة عقود!!

مع هذا النشاط الحيوي الذي يتحلى به الرجل، الى الحد الذي لم ينس حقوقه الجسدية فكان يداوم على رياضة المشي اليومية وينصحنا بها، لانها أفضل الرياضات ولكن الملاحظ عليه انه كان يولي (الثقافة العراقية) والفعاليات العراقية الجزء الأعظم من اهتمامه بحيث تشعر وانت تستمع اليه بانه مرجع موثوق به في تواريخ بلاد الرافدين قديمها وحديثها ومعاصرها، وكذلك هو الحال مع الفنون والآداب والأساطير وجغرافية العراق الطبيعية والاقتصادية والسياسية، مع إلمام واسع بتركيبة الشعب الطبقية والاجتماعية، ومن هنا كنا نعقد له مجلسا ثقافيا ليلة الخميس على الجمعة من كل اسبوع، ونتناوب فيما بيننا على إستضافة المجلس الذي ينتهي بعشاء (محترم)، لم يكن يرهق ميزانية البيت، فنحن عشرة أصدقاء وقد اعفينا العراقي من هذه الاستضافة ليس فقط لان راتبه التقاعدي (فلاسين)، ويسكن بالايجار، بل قبل ذلك من باب تكريم الرجل والتعبير عن اعتزازنا به..
الجلسة التي عقدناها في منزلي الشهر الفائت كانت مخصصة للحديث عن اقتصاديات العراق، أقد اذهلنا الرجل بغزارة المعلومات التي تتعلق بثروات البلاد، بحيث خرجنا بقناعة راسخة ان العراق اغنى دولة في العالم من دون استثناء وكانت كل معلومة معززة بالأرقام.. ثم نوه الى خطأ شائع، وهو ان النفط يمثل ثروتنا الوحيدة والمهمة، بينما لا يعدو النفط ـ على أهميته ـ ان يكون ثروة في طريقها الى النضوب في حين لدينا الثروة الزراعية مثلا القادرة، لو تم استثمارها بطريقة علمية، ان توفر قرابة (14) مليار دولار سنويا سواء عبر تحقيق الاكتفاء الذاتي وعدم الاستيراد بالعملة الصعبة، أم بتصدير حاصلاتها، هناك الفوسفات كذلك وقد تم اكتشاف (7) مناجم وتوقفت عمليات الاستكشاف، لان هذه المناجم المكتشفة تسد حاجة العراق الى اكثر من (100) سنة، غير التصدير، ولا نغفل المرمر والزئبق والكبريت، كما لايصح ان نغفل الثروات الحيوانية والسمكية الهائلة، ولعل أبرز ثروات العراق من دون منافس هي السياحة بأنواعها آثارية وطبيعية ودينية، ويقدر خبراء الأقتصاد ـ الكلام له ـ مردودات البلد منها بـ(73) مليار دولار سنويا، لو عرفنا فقط كيف نوظفها التوظيف الأمثل، وتحدث الرجل كثيراً وتوصل بالنتيجة وأوصلنا معه، الى ان كل شبر في العراق ثروة بذاته ما فوق الأرض وما تحتها وقبل ذلك الانسان و…. والحق فقد شعرنا جميعا بالزهو لانتمائنا الى هذا البلد الثري والارستقراطي الكريم، وبلغ الزهو بنا والاعتزاز الى الحد الذي أكلنا فوق طاقتنا وبشهية مفتوحة، وبعد إنتهاء طقوس الطعام والفاكهة والشاي ودعتهم واحدا واحدا، وقد لاحظت ان المثقف الكبير اعني عبد الله، قد تباطأ ليكون آخر المغادرين، حيث همس في أذني على حياء ودمعة تختنق بين عينيه ان أقرضه (الف دينار) للوصول الى بيته لانه لا يملك أجرة الطريق…