المحنـــة

17

حسن العاني /

أشهد عن معرفة وقناعة، ما رأيتُ أحداً مثل (عبد الله الغانم) يستحق لقبَ الإنسان العصامي المكافح، فيوم توفي والده كان طالباً في المرحلة الأولى من الجامعة، ولم يرث عن أبيه ما يستعين به على تكاليف الحياة.. وجد الغانم نفسه أمام مسؤوليات أكبر من طاقته وعمره: بيت مستأجر وأم مريضة وشقيقة في الرابع الإعدادي، وعليه أن يتدبر كل شيء: اللقمة والطبيب والدراسة، وليس هناك بصيصُ عونٍ من عمٍّ أو خالٍ أو قريب.. لكن الطالب الجامعي ليس شاباً ككل الشباب، فهو عقل راجح وشعور بالمسؤولية ونفس أبيّة..
في الحكايات والدروس التعليمية، يجري الحديث عن شيء اسمه (الإرادة الحديدية) القادرة على تحقيق المعجزات وقهر المستحيل، وهذا الشاب هو عنوان الإرادة الحديدية، وربما كان من حُسْنِ حظي أن أكون قريباً من سيرته الذاتية وأصلح لإدلاء شهادتي، فقد لاحظتُ ولعَ الغانم ولعاً شديداً -منذ وقت مبكر- بالتأسيسات وأعمال الصيانة الكهربائية، وكان منزله هو الميدان الرحب لإشباع هوايته، والحق فإنه، منذ كان فتى لم يعبر السادسة عشرة من العمر، برزت (موهبته) بكونه يحسن نصب المروحة السقفية ويصلح العطلات البسيطة في المجمدة والمكواة وأجهزة التبريد.. الخ، ولهذا لم يحصل أن دخل مصلح كهربائي إلى بيته أو بيوت الجيران..
اختيار الغانم الأول في الجامعة هو الهندسة الكهربائية، مع أن معدله يؤهله إلى أي فرع آخر.. لهذا يوم توفي والده، وعانت الأسرة ما عانت، كان أوّل شيء أقدم عليه هو افتتاح بسطة على الرصيف لبيع المواد والعدد الكهربائية، ورَفَعَ لافتة على باب منزله لتصليح الأجهزة الكهربائية، وهو في كل ذلك يطور ثقافته في هذا المجال ويسأل أساتذته في الكلية عن كل صغيرة وكبيرة. وبعد أقل من عامين أصبح خبيراً في عمله يشار إليه بالبنان.. على أن الخطوة الأهم في حياته هي حرصه على تنظيم وقته ما بين الكلية وتحضير دروسه والذهاب إلى عمله ومساعدة شقيقته في المذاكرة وتلبية طلبات المنزل…
حوّل الغانم إحدى غرف البيت إلى ورشة لتصليح الكهربائيات لكي لا يضطر إلى البقاء في العمل حتى وقت متأخر من الليل.. وكانت أمه تنظر إليه بعين الرضا والاعتزاز والمحبة، ودعاؤها له بالتوفيق والعافية لا ينقطع ليل نهار وفي كل صلاة و.. ولم يحصل أبداً أن تسلّم الغانم ديناراً واحداً من عمله إلا ووضعه في يد والدته مع قبلة على جبينها.. وأياً كان الأمر، فقد أنهى دراسته الجامعية، ثم حصل على شهادة الماجستير، وفكر بأنه قد آن الأوان ليرتاح من ذلك العناء ويمارس اختصاصه العلمي.. حمل أوراقه وشهادته وراح يدور على مؤسسات الدولة الرسمية، فلم يتلقَّ غير الاعتذار عن تعيينه لأسباب كان الغانم يشعر بأنها واهية مفتعلة.. وتذكر ذات مرة أن أحد المسؤولين كان صديقاً لوالده فقصده مستبشراً لأن التعيين كما أدرك ذلك بالتجربة، لا يتطلب شهادات وكفاءات، بل يقتضي (واسطة) مضبوطة.. وهاهي قد توفرت..
رحب المسؤول به واستمع إلى قضيته بالكامل ثم سأله:
•يا عبد الله.. إلى أي حزب تنتمي؟
– أنا مستقل وأمضيت حياتي منصرفاً إلى تدبر أمور العائلة.
•أجبني بصراحة: ماهي قوميتك.. دينك.. مذهبك.. أريد أن أعرف عنك كل شيء بصدق..
سكت الغانم قليلاً وقد أربكته طبيعة الأسئلة، حتى إذا هدأت نفسه واستجمع أفكاره، رد عليه:
– بصراحة (عمو).. كل ما أعرفه، ولا أعرفُ غيره، أنني عراقي من أبوين عراقيينِ بالولادة، وجدّينِ عراقيينِ بالولادة!
تأمّله الرجل بحزن وقال له: هذه هي محنتك يا ولدي..