المدينية والطائفية

115

سعاد الجزائري /

يبدأ الإنسان في مرحلة تكوّنه الفكري وتشكّل وعيه بالانتماء إلى فكرة ما، أو دين، ثم يبدأ بالتحزب لفكرته وينتقل بعدها إلى مرحلة الدفاع عنها، ثم يتصارع من أجلها وقد يصل إلى القتل دفاعا عنها .هكذا يتكوّن التطرّف في رحم المجتمع ويتطور، ويتسرّب تدريجيا إلى خلايا الدماغ ويحجب وعينا عنا، ليتحول بالتالي إلى صراع حزبي، طائفي، قومي، اثني….الخ
اليوم، والأصح، قبل فترة ليست بالقصيرة ظهر عندنا تعصّب وانحياز (مديني)، نسبة إلى المدينة، فانتشرت مفردات مثل شاعر سومري، روائي بصري، نحّات بابلي، موسيقي نجفي، ومغنّي ناصري، والحقيقة لم أسمع بالبغدادي، وكأنَّ بغداد مصبّ كل الأواني المستطرقة كونها العاصمة مركز الفعاليات… وبالمقابل أيضا ظهرت تسميات ابن الرمادي، ابن الفلوجة والموصلي، اربيلي، سليماني او عينكاوي….الخ .
مما لا شكّ فيه أنّ كلاً منّا يفخر بمدينته ومكانه الأول، حيث الاثر الذي لا يُمحى، وأينما حلّ سيبقى ابن هذه المدينة أو تلك، فإنَّ بصمات دروبها ومقاهيها ونجوم سمائها تركت أثرها في أعمالنا؛ كتابة، رسما، نحتا، او لحنا، وحزنا عراقيا أبديا.
هذا هو أثر المدينة في الروح والوعي، لكن، ومثل كل العالم، يبقى الانتماء الأوسع؛ مظلتنا جميعا العراق وعراقيتنا، ولأنَّ هذا الانتماء تعرّض لهزات وخيبات وانكسارات، بسبب انصياعنا للخارج وليس للداخل، للجلد وليس للقلب، وبسبب تحزبنا المحسوس والمبرمج، أو الذي يتشكّل خارج وعينا، فقد انزوت عراقيتنا خوفا، وظهر على السطح الانتماء المدينيُ، والأكثر غرابة أنَّه ظهر في الوسط الثقافي، فلم يقل أحد معلم سومري، أو محاسب نجفي، ومهندس فلوجي.. فهل الانتماء (المديني) سيخلق لنا طائفية جديدة؟ قد تتوالد عنها أحزاب تسمّى بأسماء مدنها، وقد تنزل في قائمة الانتخابات المقبلة.. استثني بحديثي هنا المدن المنكوبة، مثل الموصل أيام نكبتها، أو الناصرية والنجف وغيرها أيام الانتفاضة وما حلّ بها من أهوال، بالرغم من أنّ الكثير من مدننا توجتها النكبات، لكنّي اتحدث هنا عن فعل أو إنجاز ثقافي (يتحدّد) باسم المدينة دون الهوية الأشمل والأعم، بالرغم من أنَّ تأثيره الفكري عام وشامل.. فإن قلنا السياب عراقي هل سيلغي ذلك بصريته، وهل تحدّث العرب عن الجواهري كنجفي، أو زها حديد كبغدادية أو نزيهة الدليمي من دليم وغيرهم…. كلّنا نحبّ مدننا، لكن عندما ينتشر تعبير بغدادي، بصري، ابن الرمادي، موصلي.. وتترسّخ هذه التعابير تدريجيا بتخطيط مقصود أو غير مقصود، بوعينا المخفي والمستتر بعيداً عن الوعي الظاهر، سنجد أنفسنا أسرى تقسيم جديد خلقناه نحن وليس الأحزاب الطائفية.