المستقبل.. وإلا!

201

نرمين المفتي /

في أواخر التسعينيات، وضمن عمودي الأسبوعي (مشاكسة) في جريدة الجمهورية، نشرت مقالاً تحت عنوان (قنابل موقوتة) عن أطفال الشوارع الذين كانوا يتكاثرون يوماً بعد آخر، وكان بعضهم يُستغل من قبل العصابات لتنفيذ الجرائم وتوزيع الكبسولات والاعتداء عليهم جنسياً، وكان الحصار قد تسبب في إيقاف تنفيذ قانون التعليم الإلزامي، فضلاً عن شبه إيقاف لبرامج وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وقانون العمل الذي كان يفرض شروطاً قاسية على عمالة الأطفال. ويبدو أن الوضع بعد نيسان ٢٠٠٣ لم يتغير، فعدم التطبيق والإيقاف يؤديان إلى النتيجة ذاتها، وهي الأطفال في الشوارع، وقانونياً فإن الحدث الذي هو دون الـ ١٨ سنة يُعامل معاملة الطفل.
الجريمة الإرهابية النكراء التي استهدفت ساحة الطيران كانت مفجعة وموجعة، ولكل شهيد قصته، وإذ لم نعرف أسماء كل الشهداء وأعمارهم، فإن شهيدين صبيين تركا حزناً كبيراً في الأرواح، أحدهما كان (علي عامر الركابي) من قلعة سكر- الناصرية، والثاني بائع الشاي الذي لم نعرف اسمه. صبيّان كان المفروض أن يكونا في المدرسة، لكنهما أرغما مبكراً على إعالة نفسيهما والعائلة، وإلا ماذا يرغم صبي لم ينبت شاربه على القدوم إلى بغداد من الناصرية ليبيع العلكة وآخر يبيع الشاي؟ ولو أتيحت الفرصة ومررنا بأسماء وأعمار الشهداء كافة الذين مضوا بأيدي الإرهاب الأسود، سنجد مئات الأطفال.
قطعاً ليس كل أطفال الشوارع مثل شهيدي ساحة الطيران يعملون لإعالة أهليهم، فبينهم أطفال لعوائل وجدت التسول والشارع أسهل وأوفر فرصة للعيش، وآخرون تدفعهم عصابات التسول إلى الشوارع، وغيرهم اضطرتهم الظروف لإعالة عوائلهم. سبق وأن كتبت في هذا الصدد وتساءلت عمن يفكر بمستقبل العراق، وبالأطفال الذين سيكونون رجاله ونساءه في الغد؟ إنهم بحاجة إلى تطبيق القوانين النافذة وإصدار أخرى جديدة، بحاجة إلى مؤسسات رسمية تهتم بهم وتدرس أوضاعهم وتعالج نفسياتهم. هنا أشير إلى الأطفال الذين مروا بظروف عصيبة سواء في المخيمات أو حين أرغموا مع عوائلهم على التهجير فاقدين جيرانهم وأصدقاءهم وغالباً ممتلكاتهم.. إنهم بحاجة إلى لجنة برلمانية لوحدهم، لجنة نشطة يتعامل من خلالها أعضاؤها مع أطفال العراق كافة على أنهم أبناؤهم وبناتهم، ومنظمات مجتمع مدني حقيقية تحاول الضغط على المؤسسات الرسمية والحكومة للالتفات إلى الطفولة في العراق التي باتت تفقد أحلامها وأقلام التلوين ومقاعد الدراسة.
لتكن دماء علي عامر وبائع الشاي نداءً صارخاً لكل من بيديه سلطة، سواء في بغداد أو في إدارات المحافظات للالتفات إلى الطفل العراقي وما يواجهه، فهم مستقبل العراق الذي لابد من تهيئته للغد، وإلا…