المعركة صورة

623

ياسين النصير/

قد تكون ثمة ثروة غير مرئية للعراق عندما يختزن ملايين من صور المعارك مع القوى الفاشية في ذاكرته المتحفية، لاشك في أن ذلك يحتاج إلى فريق عمل مختص بتدوين ذاكرة الشعب عبر المعارك التي يخوضها، وعبر صور التدمير والتفجير التي تُسلط عليه، صور، بمعنى أنّهاَ مدونة بلغة عالمية لسيرة العراق، هي لغة الصورة، التي تسعى دول عديدة إلى إعطائها أهمية استثنائية في التأثير أعلاميًا على الرأي العالمي.

لدينا أرضية خصبة تنتج يوميًا آلاف الصور، وبالطبع لدينا مصورون يجيدون إلتقاط الأحداث ويمنهجونها برؤية الحداثة الفنية، ولكن ليست كل الصور ستكون صالحة بعد فترات، الأمر الذي يتطلب أن تكون ثمّة منهجية لالتقاط الصور وحفظها وتنقيتها، فهذه الثروة، التي تبدو أنَّها شخصيّة، لا يمكن الأستغناء عنها في أي مجال من مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية. لذلك، وبمثل ما يجري للإعلام من تنمية لقدراته الذاتية، يكون من الضروري الإنتباه إلى دور المصورين وتغذية أفكارهم بما ينسجم وروح ودور الصورة المؤثر عالميا، الآن وفي المستقبل.

النقطة الأساس التي أنوي التنويه عنها، هي أن الصور التي تؤخذ من ساحة المعارك تميل إلى التمائل بين ما يحدث وبين اللغة الايديولوجية التي تقف خلفها، هذه طريقة تبسيطية لعمل الصور، ويستطيع أي مصورٍ هاوٍ أن يقوم بها، لا بل أنَّ ثقافة أوليات القرن العشرين، قامت على فكرة التماثل الثنائي بين الواقع والفوتوغراف، في حين أنَّ العملية الفنيّة لا تتحدد بأي تطابق أو تماثل، وهو ما يجعل الصورة أغنى من الوقائع نفسها، عندما يعمد المصور إلى إجراء عمليات مختبرية على الصورة، خاصة في مرحلة المعلوماتية التي أغنت ثقافة الصورة بمستويات رؤية عميقة. كل ذلك يحتاج إلى ثقافة ممنهجة تُدرس لمصوري المعارك، لأن هذا الجانب من الثقافة اليوميّة التي ترافق ما يحدث على أرض الواقع، يحتاج إلى صورة تُغَرِّب الواقع، وتكشف عن اللامرئي فيه، وتذهب حيث جوهر اللقطة التي تعبر السطح المباشر إلى غرضها الفكري والجمالي. وأنا أشاهد أحدى صورة لقناص عراقي، وهو يصوب بندقيته على داعشي يهرب من طلقات القناص، رأيت صورة جانبية لعلم داعش الأسود يهرب معه، فالصورة أغنتي كثيرًا عندما يكون هروب الداعشي هروبًا لإيديولوجيته السوداء، هكذا يجب أن تكون صورنا بليغة.

أما الكيفية لعمل هذه التقنية الفنية المتقدمة ليست صعبة، فأية صور لا تكتمل بالتقاطها فقط، لابد لها من فريق عمل، والجميع يضع بصماته الفنيّة عليها، فالصور ليست كيانات مفردة تنتجها عين واحدة، إنَّما هي نتاج خلية عمل بمنهجية تطورية وتقنية حديثة. عندئذ سيكون لدينا رصيد ثري من رؤية المستقبل.