المنشقّ الأعظم

292

زكريا محمد/

كان أبو العلاء المعري شاعراً كبيراً من يومه. لكنه في البدء كان يقول ما يقوله الشعراء. كان شاعراً كبيراً ضمن (نظامهم) الخاص بالكبر والصغر. خذ مثلاً أبياته هذه:

أقول للوحش ترميني بأعينها

والطير يعجب مني كيف لم أطر

لمُشمعلّين كالسيفين تحتهما

مثل القناتين من أينٍ ومن ضمر

في بلدةٍ مثل ظهر الظبي بتّ بها

كأنني فوق ظهر الظبي من حذر

في هذه الأبيات يصنع أبو العلاء كما صنع الشعراء قبله. يقوم بالرحلة ذاتها، الرحلة الخطرة في الفيافي، التي يقوم بها الشعراء في شعرهم، أو في شعرهم وفي الواقع أحياناً. فالوحوش الخطرة ترقبه وترميه بأعينها، والطير تدهش منه كيف أنه ثابت لا يهتز. وهو يبيت ليله في هذه الرحلة في البيداء قلقاً حذراً كأنه فوق قرني ظبي. وهو يفعل كل هذا مع أنه شاعر ضرير لا تصلح له مثل هذه المغامرات. كان أعمى يتصرف كبصير، أي يتصرف وفق التقليد تماماً. صياغة متقنة، وتشابيه جميلة، لكن ما من جديد. فما يقوله برغم متانته لا يختلف جوهرياً عما قاله المتنبي.
غير أن اللحظة التي كان على أبي العلاء أن ينسحب من لعبة الشعراء سرعان ما حلّت. وحين حلّت رمى أبو العلاء تقاليدهم، وصنع تقليده الخاص. تقليد الأعمى الذي يعترف بعماه. تقليد المختلف الذي يجعل من اختلافه تقليداً آخر جديداً. وقد أعلن عن انسحابه في مقدمه ديوان لزوم ما لا يلزم: «وقد كنت قلت في كلامٍ قديم إني رفضت الشعر رفض السَّقْبِ غرْسَه والرأل تريكته».

أي رفضت الشعر رفض ولد الناقة لقناع مشيمته، وفرخ النعامة لقشرة بيضته التي غادرها. وهو يؤكد لنا أنه لم يكن بهذا الكلام يقصد ترك الشعر، بل مغادرة تكلّفات الشعراء التي تهدف لتهييج الشعر في دواخلهم، أي عملياً مغادرة تقاليدهم، التي تسمى (أغراض الشعر العربي). فهم، كما يقول: «قد زيّنوا ما نظموه بالغزل وصفة النساء ونعوت الخيل والإبل وأوصاف الخمر، وتسببوا إلى الجزالة بذكر الحرب، واحتلبوا أخلاف الفكَر، وهم أهل مقام وخفض في معنى ما يدعون أنهم يعانون من حثّ الركائب وقطع المفاوز ومراس الشقاء».

وقد غادر أبو العلاء كل هذا. لم تعد المغامرات في الصحراء تهمّه. لم تعد الحرب، صادقة أو موهومة، مطلبه. لم تعد الخيل والإبل ونعوتها شغلته. بل لم يعد بحاجة إلى رواحل ليركبها. فرحلته رحلة في أعماق الذات، وفي أعماق الكون وورطة الإنسان فيه. وإن حصل له أن ركب راحلة، فهي لن تكون إلا راحلة ظالعة متعبة:

إذا راكب نالت به الشأو ناقة

فما أينقى إلاّ الظوالع والحسرى.

المنشق الأعظم هو أبو العلاء. وعماه كان أرضية انشقاقه. لقد أقر بهذا العمى، ففتح له ذلك بصيرته الشعرية، التي كانت البصيرة الأعمق في تاريخ الشعر العربي كله.