المواطن والجمل

39

د. حسن عبد راضي /

تُصنّف الأدبيات السياسية الشعبَ على أنه أولُ أركان الدولة الثلاثة فضلاً عن الإقليم والحكومة، وبطبيعة الحال لا وجود للدولة لولا الشعب والإقليم، ولا تقوم حكومة إلا بقيام هذين الركنين، وتكاد هذه السُنّة تكون هي المتبعة في معظم الدول الديمقراطية.
ولقد التحقنا بركب الديمقراطية منذ عام 2003، لكن ديمقراطيتنا لم تشبه أية تجربة أخرى في العالم، إذ دفع الشعب دماء غالية من أجل أن يحظى بـ”بركاتها” كالتداول السلمي للسلطة والتمثيل الحقيقي للشعب وغيرها من النعم السابغة.
لكن المواطن الذي هو أصغر وحدة بناء في مفهوم الشعب، ذاق الأمرّين وتبدد حلمه الكبير بحياة كريمة بعد خلاصه من كابوسه الذي جثم على صدره عقوداً طوالاً، ولقد درجت الحكومة التي شكّلها المواطن بدمه وانتخبها بآلامه وتضحياته الجسيمة على أن تُحمّل الشعبَ والمواطن كل إخفاقاتها السياسية والاقتصادية، فإذا حدثت ضائقة اقتصادية ناجمة في الأصل عن سوء إدارة الموارد، وتبديد الثروة بين الفساد الإداري والمالي غير المسبوق وبين المشاريع الزائفة التي لا طائل من ورائها وبين المشاريع التي لا وجود لها أصلاً سوى على الورق، يلتفت عباقرة الاقتصاد في أروقة السلطة إلى رواتب الموظفين لحل المشكلة، حتى أن موظفي الدولة باتوا قلقين دوماً وغير مستقرين ولا يمكنهم التخطيط لتحسين مستواهم المعاشي أو الحصول على سكن لائق، لأنهم غير واثقين من بقاء رواتبهم على حالها، فهي عرضة للغارات بين حين وآخر.
والمواطن نفسه يشاهد في التلفزيون ويقرأ في الفيسبوك وسواه أخباراً عن مجمّعات سكنية في الدول المجاورة فيبهره الإتقان الذي تُنجز به مثل تلك المشاريع والتسهيلات التي تقدمها الحكومات لشعوبها لتضمن لهم العيش بكرامة، في حين لا يجد مواطننا نفسه إلا بإزاء مستثمرين متوحشين أطلقت هيئة الاستثمار الحكومية أيديهم يفعلون بالمواطن ما يشاؤون، ولك عزيزي القارئ أن تقارن بين أسعار الشقق في المجمعات التي تُنشأ في العراق مع نظيراتها في دول الجوار، ستجد هذه المعادلة الظالمة: في العراق جَودة أقل بأسعار مرعبة ولا وجود لأية تسهيلات، أما في سائر دول العالم حيث يوجد الضمير، فجودة أعلى وأسعار أقل.
وطبعاً لن أطيل الحديث في أزمة الدولار، إذ تسعى الدول والحكومات إلى تحسين اقتصادها برفع قيمة عملتها قياساً إلى العملات الأجنبية، أو جعلها مستقرة كما هو الحال في الأردن (دينار واحد = 1.35 دولار) والكويت (دينار واحد = 3.3 دولار تقريباً) أما نحن فماضون بكل عزم في تبخيس عُملتنا وتدمير اقتصادنا وتجويع الطبقات الفقيرة في المجتمع أكثر فأكثر، وعلى المتضرر اللجوء إلى القضاء!.
أتذكر هنا مثلا كانت تردده والدتي رحمها الله في مثل هذه المواقف ينطبق على المواطن، فهو مثل الجمل ..يَحمل الذهب ويأكل العاقول..عجبي.