المُستيقظون والنُوّمُ !

19

جمعة اللامي /

” كل شيء يَرخصُ إذا كَثرَ، إلاّ العلم فإنه إذا كثرَ غَلا “
(نَصر بن سَيّار)

“صناعةُ اليد”، فرع من علوم الطب، برع فيه العرب، وبزّوا غيرهم من علماء الأمم، حين كان العقل محترماً في ديارهم. ويكثر في عراقنا، أكثر من نصر بن سيار، ما يزال يرسل صوته لمواطنين داعيا إلى الوحدة وصيانة البلاد، ونسأل الله أن يهدي سُراة الكبار من قومنا، كما الدهماء والرعاع وأنصاف المثقفين، ليعودوا إلى الرأي الثاقب، والكلمة السواء، ويجعلوا من العلم، بفروعه كافة فيصلاً في حياتنا، وألّا يكونوا مثل ذلك الأموي مروان بن محمد، الذي لم يستمع إلى تحذيرات نصر بن سيار بن رافع بن جَري بن ربيعة الكناني، الذي تحدّث كما يتحدّث الجرّاح في الطب، أو “صاحب اليد” كما كانت العرب تسمي الجرّاح قديماً.
ويُؤثر عن نصر هذا، أنَّه من دُهاة العرب، وكان والياً لبني أمية على خُراسان في سنة 120 هجرية، في وقت كانت فيه الدعوة العباسية تشتد في هذه المنطقة التي تجمع ما بين أفغانستان وبعض بلاد فارس، حيث كان يوجد الداهية “أبو مسلم الخراساني”. وكان نصر يحذّر بني أمية من خطر بني العباس، دون أن يسمعه أحد، حتى تمكّن الخراساني منه، فهرب إلى “مَرْوِ”، ثم إلى “نيسابور”، وهو ما يزال يُحشّم بني أمية، وأبرزهم مروان بن محمد، في دمشق، حتى قلَّ صبرهُ، فكتب إليه هذين البيتين اللذين يفسران ما لا يمكن تفسيره:

أرى خَلَلَ الرمادِ وميضَ نارٍ
وأخشى أن يكون لها ضِرامُ
أقولُ من التعجّب، ليت شعري،
أأيقاظ أميّة أمْ نِيامُ ؟!
والأمثلة تُضربُ ولا تُقاسُ!

وكان بنو أميّة في حاجة إلى صاحب “صناعة اليد” ليوقظهم. ولكن هيهات، بينما كان العقل والعلم صِنْو هؤلاء الورّاقين والكتَّاب العرب، ومنهم “الجاحظ”، الذي كتب في الجزء الثاني من “الحيوان” ما يلي: “وأنا – حفظك الله – رأيت كلباً مرَّ في الحي ونحن في الكُتاب، فَعَرضَ له صَبي يُسمى مهدياًّ من أولاد القصابين، وهو قائم يمحو لوحة، فَعضَّ وجهه”.
ولولا ضيق المساحة لأوردتُ النصّ كاملاً . لكن الجاحظ يقول إن عضّة الكلب دمرت وجه الصبي من جهة العين، أي في أكثر المناطق حساسية، بحيث أن الصبي تَبَشّع تبشيعاً كريهاً، لكن الله تعالى، هيَّأ له ولأسرته، أحد الجرّاحين العرب في حينه، من طراز : أبي القاسم خلف بن عباس الزهراوي، صاحب كتاب “التعريف لمن عجز عن التأليف”، فخاط جرحه، وعاد الصبي جميلاً صبوحاً.
“وصاحب اليد” هو النطاسيّ الجرّاح.