الوجه الخفي

143

سعاد الجزائري /

(أسرع من الصوت والضوء)، عبارة نسمعها كثيراً ونستخدمها أكثر، وذلك تشبيهاً لسرعة إرسال ما نريد إيصاله لطرف ما. واليوم، وبسبب وسائل التواصل الاجتماعي، وبعدما أصبح الهاتف النقال عائلتنا وصديقنا وتسليتنا وله ندين بكل ما حولنا، وإن نسيناه نفقد بوصلتنا، لذلك صار بث أية فكرة أو رسالة أو محاولة إيصالها، بغض النظر عن سلبيتها أو إيجابيتها، أمانها أو مخاطرها، فإنها ستصل إلى أبعد المسافات وإلى الأقاصي بكبسة زر واحدة، أي أسرع من وصول الصوت أو الضوء اللذين يصلان ضمن مساحة محدودة.. وفضلاً عن وسائل التواصل هناك التلفزيون، أو الأفلام والمسلسلات التي ازدحمت بها التلفزيونات طوال فترة كورونا، وتزاحم كثيرون لمشاهدتها ومتابعتها لتجاوز الحصار المدمر لهذا الوباء اللغز، فتأثرت شرائح كبيرة بأفكار هذه المسلسلات ومضمراتها، حتى الخطِر منها أو الذي يهدف إلى كشف المخاطر السياسية، أو الدينية / السياسية بالتحديد، عبر معالجات ترمي إلى تسليط الضوء على الجماعات الإسلامية المتطرفة، لكنها في الوقت نفسه سلطت الضوء، بقصد أو بغير قصد، على رسائل هذه الجماعات وأساليبها مستعرضة الإغراءات التي تقدم للمتلقي على طبق من الزيف والأكاذيب.
عند مشاهدتي بعض هذه المسلسلات تذكرت حملة مكافحة المخدرات التي انتشرت في المدارس الجيكية، وأعتقد أنها كانت في ثمانينيات القرن الماضي، إذ تضمن برنامج الحملة الحديث في المدارس عن مضار المخدرات أولاً بشرح مكوناتها ونسبها، وشرح مضار كل مكون منها، لكن المفاجأة التي ظهرت بعد الحملة بفترة قصيرة، عندما اكتشفت الجهات المسؤولة أن تعاطي المخدرات قد ازداد كثيراً، وذلك لأن الطلبة عرفوا المكونات وبدأوا بتحضيرها وتعاطيها، وفشلت الحملة لأنها ركزت على مكونات المخدرات ونسبها ومضارها، لكن شطرها الأول هو الذي لفت انتباه كثير من الطلبة. ارتباطاً بهذا المثال نرى أن كثرة المسلسلات التي تستعرض حياة هذه الجماعات وأسرارها ومغانمها قد تشجع كثيراً من الشباب قليلي الوعي، على المقاصد الملغزة في رسائل تلك التيارات التي تتجه نحو الغرائز وتخدير العقول، وتركز أساساً على الحور العين والغلمان وأنهار الخمور، وهذا الخطاب قد ينجذب إليه الشاب الذي تتحدث فيه غريزته قبل عقله، وهذا طبيعي في عمر معين، ولاسيما عند الشريحة التي لم تحصل على الرعاية الصحيحة. وبما أن المسلسلات صارت الحديث المشترك للكل، لكثرة متابعيها، إذ يمكننا مشاهدتها حيثما نكون، أمام شاشة التلفزيون أو عبر شاشة الهاتف النقال، وتوفرت أيضاً على اليوتيوب، فهي كالشبح تلاحقك أينما كنت، فقد انعدمت الرقابة الأبوية وفقد الوالدان السيطرة على مسألة اختيار المسلسل أو الفيلم الصالح من الطالح، هذه المسلسلات التي تسعى إلى التنبيه من خطورة تلك الجماعات، تستعرض في الوقت نفسه المغريات التي توفرها لمن تهتز أرض القناعات تحت رجليه، مغريات من مثل الحور العين ووفرة الأسلحة والمال الذي يعد أهم منزلق للمحتاج والفقير، وإلى الانفلات من قيد (رعاية) العائلة وسيطرتها، إذ تدعو الشباب إلى معاقبة ذويهم إن لم يسلكوا سلوك الجماعة، فهم عصاة في نظر الذي يؤمن بفكر التطرف أياً كان شكله، وهنا يحضرني سؤال: هل عندنا جهات رقابية متخصصة تدرس وتتبحر بمضامين ما تبثه هذه المسلسلات من سموم مباشرة أو غير مباشرة، قد تقودنا إلى مطبات ومنحدرات تضاف إلى مطباتنا الكثيرة، لأن لهذه المسلسلات وجهها الآخر، الوجه الخفي.