الوسام الإمبراطوري

147

نرمين المفتي /

قطعاً أسعدني حصول الأستاذ الدكتور رعد شاكر، الطبيب البريطاني من أصل عراقي، على وسام الإمبراطورية البريطانية من النوع المدني، الذي قلده إياه الأمير تشارلز، ولي العهد نيابة عن والدته الملكة. وكانت صورة شاكر مع زوجته بقبعتها الأنيقة جداً، (القبعات الأنيقة والمتميزة تقليد للطبقة الأرستقراطية البريطانية)، جميلة وهما يظهران متواضعَين رغم فخامة المناسبة بأناقتهما الكلاسيكية.. ورعد شاكر هو البريطاني الرابع من أصل عراقي الذي ينال تكريما رفيعاً في بريطانيا في سنة واحدة، إذ لا ننسى أن وزير التعليم البريطاني الحالي هو ناظم الزهاوي، الذي تقدمه الأخبار كسياسي بريطاني من أصل عراقي.. وهناك، في كل دولة معروفة بتفوقها العلمي والاقتصادي والصحفي في العالم، متميزون وعباقرة من أصل عراقي في الطب والهندسة والفن والمجال الأكاديمي والسياسي والصناعي والتجاري، بينهم من اضطرته ظروف البلد إلى الهجرة، وبينهم من ذهب مبتعثاً وفضل عدم العودة بعد أن أنفق عليه العراق أموالاً طائلة، وبدأ عددهم يرتفع مع بداية الحرب في ١٩٨٠، وما يزال آخذاً في الارتفاع، إلى درجة أصبح فيها العراق معروفاً كبلد طارد للكفاءات..!
وعودة إلى الدكتور شاكر، الذي قال بعد تكريمه “إن عراقيته تجري في دمه.” وغالبية الذين اشتهروا خارج بلدهم يعتزون بأصلهم العراقي، وبينهم من أوصل بعضاً من العراق إلى بلده الجديد، سواء في الصناعة، أوالفن، أو في ديكور بيته الذي حوله إلى عراق يسكنه.. وهنا نتساءل: لماذا لا نجد بينهم مثل الطبيب المصري مجدي يعقوب، وهو الحائز من ملكة بريطانيا على اللقب النبيل (سير)؟ مجدي يعقوب أجرى ويجري مئات عمليات القلب بالمجان سنوياً في مصر، وأسهم في حملات تبرع لإنشاء مستشفيات خاصة للأطفال من مرضى القلب في مصر، ولم يتوانَ عن الظهور في الإعلانات التلفزيونية لدعم حملات التبرع؟ وطبعاً هذا للمثال وليس الحصر.. وكأنني أعرف الجواب مسبقاً، الآن وسابقاً..
كان المتميز العراقي في الخارج يخشى العودة كي لا يُمنع من السفر، وفي المقابل لا يُعامل في الداخل استناداً إلى كفاءته، وحتى الآن لا أنسى غلاف مجلة (ألف باء) وأنا طالبة في المرحلة المتوسطة -في شهر ما- سنة ١٩٧٣، وكان عليه عنوان لعالم أغذية عراقي أسهم في وصول أبولو ١١ إلى القمر، وأشارت المجلة إلى أن العالم العراقي الركابي (نسيت الآن اسمه الأول) نجح في تصنيع عصارات الأطعمة دون خسارة أية قيمة صحية وغذائية استخدمها رائدا أبولو ١١ وهما في طريقهما للذهاب إلى القمر والعودة منه. لبّى الركابي (الذي أشارت المجلة إليه كمثال لما حدث حينها) طلب الحكومة العراقية من الكفاءات بالعودة لبناء العراق، وعاد إلى الوطن وانتظر أشهراً دون عمل، وحين قدم شكوى تم تعيينه في كلية الزراعة قسم البستنة، (حتى ليس في قسم المواد الغذائية)، ما اضطره إلى مغادرة العراق مرة أخرى وإلى الأبد.. واستمر أصحاب الكفاءات يخشون المجيء إلى العراق ولو كمساهمة في مجالات اختصاصهم، كما يفعل يعقوب، مخافة الخطف والاغتيال، ولاسيما أن الذين في الداخل أساساً جرى استهدافهم بشراسة..