الوهم السمعي وسواه

38

علاوي كاظم كشيش /

منذ يومين وأنا فرح بقبولي في الجامعة واستلامي كتاب شكر وعلاوة من دائرتي، شاءت الصدفة أن أسمع أغنية الشحرورة صباح (ع الضيعة) التي أحبها منذ أيام الابتدائية، وأحسست بالضجر والحسرة من عدم وضوح كلمة فيها منذ أن سمعتها أول مرة، فاضطرتني الى أن أبدلها بكلمة مني لكي يمشي اللحن على رسله، فكنت أردد معها (جينا نبيع وشفتوا..) متلذذا. ولكني لم أكن مقتنعا بهذه الكلمة لولا ضرورتها، وظل المعنى ملتبسا مضطربا عندي، فهو غامق في مجرى الاغنية على الرغم من وضوحه في العبارة التي أضفت لها كلمة (وشفتوا) من عندي طول العمر الماضي.
قبل يومين، في لحظة وأنا أسمع الاغنية وبدون تركيز مني انفتح المعنى وظهرت الكلمة الحقيقية التي تطلقها صباح فاذا بها (جينا نبيع كبوش التوت…) وكمن اكتشف شيئا خطيرا انبهرت للحظة بفك هذا المجمع الصوتي (الكلاستر) من تلقاء نفسه، وضحكت كثيرا لهذا الوهم السمعي الذي يتطلب تصحيحه زمنا طويلا. إنه ببساطة (جينا نبيع كبوش التوت…وضيعنا القلب ببيروت).
ذكرت صديقي في الاعدادية عندما كان يقرأ بيت امرئ القيس (بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لاحقان بقيصرا)، وقد حيره قول امرئ القيس (الدربدونه) لأنه يسكّن الهاء ويلغي الضمة في الضمير المبني على الضم. وسألني: ما هي الدربدونه؟….وضحكنا كثيرا عندما وضحت له وهمه السمعي.
ومن الاوهام السمعية الطريفة التي حدثني بها صديق في الجيش، أن قارئ منبر قال: يا ليتنا كنا معكم فنفوزَ فوزا عظيما. سأله رجل عجوز: شيخنا، ماهي الفنفوزه؟ فأجابه الشيخ: هذه أكبر ثريا في الجنة. والشيخ ذكي ومعذور إذ خمّن أنه من الصعب أن يوضح لهذا العجوز الفوز وما فعلته فيه فاء السبب الناصبة.
ولكن أوهام القراءة السمعية خطيرة جدا، منذ أن لفظ حسين كامل كلمة مكعّب وهو يتحدث عن مشروع تم إنجازه بأن المشروع يحقق كذا متر مكْعب (بتسكين الكاف) في الساعة حتى رفع المهندسون ولحد اليوم الشدة عن العين وسكّنوا الكاف كلمة (مكعّب) مع أنهم يشددون كلمة مثلّث ومربّع.
الا أني سمعت ابنتي وهي في الرابع الاعدادي تقرأ معلقة عنترة وفي بيت مشهور منها تقرأ (ولقد ذكرتك والرماحُ نواهلٌ مني وبيض (جمع بيضة) تقطّر من دمي) وعندما سألتها من علّمك هذه القراءة؟ قالت: المدرسة. فصححت لها ووضّحت ولم أعر الأمر اهتماما. لكن في السنة التالية سمعتها تقرأ عن جماعة ابولو وهي تقرأ بصوت واضح (أبو “بمعنى أب” لو) فقلت لها: لم يعرف تاريخ الأدب أبا ابنه اسمه لو. من علّمك هذا؟ قالت: المدرسة. صححت لها وانصرفت الى شأني. وفي السنة نفسها، طلبت ابنتي مني إعراب الآية الكريمة (كسرابٍ بقيعةٍ) وأعربتها على الوجه المطلوب، ولكنها عادت من المدرسة مكدّرة الخاطر، لأن المدرّسة الكريمة لم ترض عنها ووبختها لكسلها وتراجع مستواها، وأجبرتها على إلغاء إعرابي للآية وتثبيت إعرابها هي، معترضة على أن الباء ليست حرف جر. ( كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ) فهي تضيف السراب الى البقيعة لأنها لم تسمع التنوين ولم تنتبه له.
الوهم السمعي ما زال يتحرك معنا في كثير من النصوص التي سمعناها وأخذنا نغم الصوت ولم توقر واعيتنا السمعية على بيان الصوت في العبارات؟ وكم مثله من وهم بصري ووهم في القلب والعقل؟ فالأمور ليست كما تبدو للوهلة الاولى، وبهذا تتكدس الاخطاء والذنوب لأن نداء الكون غامض ومتشابه في رادارات أرواحنا. وربما هذه الاوهام هي التي تجعلنا جميلين بنقصنا الآدمي. فللوهم لذته أحيانا.مثل الكلمات في أغاني طفولتنا التي توهمناها ووضعنا بدلها ما نستطيع ونطيق لكي يمشي اللحن بلا تعثر. وبعد التصحيح تأتينا لذة ولكنها ليست دائمة مثل لذة الغلط.