بصمة بـ (العَشرة)

255

رئيس التحرير سرمد عباس الحسيني /

استكمالاً لما قدمناه من رأي في العدد السابق حول دراما شهر رمضان، التي اتسمت غالبيتها بتقديمها أحداث عنف مجتمعي، أو تقديم مفاهيم لا تتناسب وطبيعة مجتمعنا، أو حتى ما عرف من خصوصية للشهر الفضيل من برامج ومسلسلات ودراما متناسبة وقدسية هذا الشهر قبل غزو الفضائيات عقر بيوتنا.
ووسط تشاؤم غالبية المتابعين تجاه ما قدم، عربياً وعراقياً، من هذه المفاهيم الغريبة في غاياتها التي تقترب من شحن النفس تجاه العنف أو التصعيد الطائفي، أو المناطقي (الذي أوقف بسببه مسلسل لإحدى الفضائيات العراقية، حسب هيئة الإعلام والاتصالات)، أو حتى المشاحنة ما بين شعوب المنطقة، من خلال أعمال تكتب لمن يدفع، بغض النظر عن التبعات (هبة المشاري حسب تصريحها)، أو تقديم مسلسلات مستنسخة عن مسلسلات إيرانية وتركية بطريقة الـ (Copy Paste) وبأسماء كتّاب لا وجود لهم، كما حدث في مسلسل (رمضاني) يعرض حالياً، ومسلسل سابق لنفس القناة الفضائية، في عملية استسهال أجوف غايتها (ربما) ملء فراغ وإشغال وقت لا أكثر.
ومن وسط هذا الخراب الذائقي والإيماني في غالبيته (لا تعميم بالمطلق)، عرض علينا مسلسل محلي عراقي زاحمَ بجدارة مسلسلات عربية وعراقية صرف عليها بسخاء، وسوِّقت لها إعلانات بث وتنويه بطريقة مؤثرة وبأوقات عرض ذهبية، مسلسل حمل في طياته مواضيع اجتماعية وطنية بطريقة مبتكرة وأسلوب تقديم معاصر، تجسدت مفاهيمها في مسلسل (العَشرة)، المسلسل الذي لم تخطئه أو تتجاوزه عين المشاهد العراقي الحذق التي أفرزته وسط إسفاف (+ 18) لغالبيتها.
هذا المسلسل الذي قام ببطولته المطلقة تألقاً، وفي مباراة إبداعية، كل من (آلاء حسين) و(خليل فاضل خليل)، ومن إخراج المبدع (علي حديد)، وتأليف (مصطفى الركابي) بمعية (غرفة الكتابة) في سابقة ما ألفتها الدراما العراقية، والمونتير (ميدو علي) الذي تماهى مع تفاصيل المسلسل وعاش كل لحظات أدائه ومشاهد تصويره مع كادر الإخراج، ليُخرج لنا بنجاح مسلسلاً قُدم بطريقة العرض السينمائي، إذ تفوّق هذا الفريق على نفسه، كلٌّ حسب خصوصيته في تقديم عمل عولج باحترافية درامية سينمائية بعيدة كل البعد عن أسلوب الأداء المسرحي البكائي، رغم ما تضمنه العمل من تفاصيل مأساوية واقعية لم نكن كعراقيين بعيدين عن تفاصيلها.
استطاع بطلا العمل، بما عرف عنهما من فهم حقيقة شخصيات بطل كل حلقة من المسلسل، بطريقة مستقلة عن ما سبقها من شخصيات، أو حتى عن ما لحقها، شخصيات وأفكار عميقة ومكثفة استوعبها المشاهد العراقي بأمان مشاهدة واعتقاد محتوى حقيقي.
المسلسل نجح (حسب المتابعين والمشاهدين) في خروجه عن دائرة المباشرة أو التسويق التعبوي المباشر لقضية وطنية نؤمن بها، وهو الأمر الذي منحه خصوصيته البعيدة عن تسلسل أحداث أي مسلسل عُرض وسوِّق بكلاسيكية تقديمه، إذ تعد خصوصية كل حلقة لنفس الأبطال غير مألوفة في الدراما العراقية، وأن يؤدي البطلان حلقات المسلسل باختلاف قصصها وعناوين أبطالها، بعيداً عن ملل تكرار مشاهدها ومشاهدتها عبر تقديم رؤية فنية متكاملة، وبعيداً عن المباشرة (الفجة) والاستعاضة عنها وبدراية تامة من قبل البطلين بالاشتغال على منطقة صعبة تعتمد في أدائهما على تعابير الوجه.. الإيماءات.. الصمت، مع جهد فكري تجلى بوضوح درامي عالي الأداء لحلقات مسلسل مُقدمة ومُسوّقة بروحية قصار الأفلام، وهو الأمر الذي جعلنا نأمل في أن تتطور فكرة استقلالية كل حلقة إلى فلم سينمائي (حسب متابعين)، أو أن يستثمر نجاح المسلسل عبر تسويقه إلى منصات عرض أوسع للمشاهدة العربية بجدارة الواثق، من منطلق أن البضاعة الجيدة تفرض نفسها، وأن هناك إضاءات مشعل لا تخطئها عين اللبيب داخل نفق درامي مظلم، أريد له أن يكون بلا نهاية مطاف أو دلالة وعي…… والله أعلم.