بغداد.. حتى الفجر

47

بيان الصفدي/

كم كان مؤلماً لي أن يدعى نحو ثلاثين أديباً سورياً إلى بغداد، بعد قطيعة تامة، ولم أكن من بينهم! كان ذلك عام 1998 ربما، عندما حصلت محبة مفاجئة بين النظامين العراقي والسوري، بعد عداوة لا مثيل لها، قال لي شاعر مدعو لم يمضِ على انتسابه الى اتحاد الكتاب في سورية شهران، وهو من أصدقائي: المفروض أن تكون المدعو الأول، فقد عشتَ خمس سنوات في بغداد، وعملت في مكان إعلامي مرموق.
جرحني الكلام، فأنا لا أسعى إلى أية دعوة، كما يعلم كل قريب مني، لكن كان حلمي أن أرى بغداد وأصدقائي فيها بعد تلك القطيعة الكاملة بين النظامين، علّني أراها ثانية.
لقد قلت في نفثة حنين شخصية:
هذي العيــــون العراقياتُ أعرفـُها فكـــــم رمتْني وأَدْمتـْني مآقيها
مرَّت سنين ٌوما ذابت حلاوتـُها تظلُّ تأخـذ مـن روحـــي وتعطيها
العمر يُطوَى وما غابت منازلُها ولا “الدَّرابينُ” والشَط ُّ الذي فيها
بغدادُ قلبــي الــذي ضيعتـُه زمناً أظل ُّ أبحث عنــه ُ بين أهليــــها
أنا العراق حضـــــارات مُذهَّبــةٌ والأرض عطشى إلى خيري فأسقـيها
وبابلُ السحر ِ والنـــهران مـــا ركعا والنخل يشمخ في أعلـــى أعاليها
ما زلت أحسِب أيامي على مَهَل ٍ كأنَّ عمــــري َ بعــضٌ مـن ثوانيها
يا دِجلة َ الخير خذْني طائراً غَرِداً ويا جسورُ صِلِيني، قد كفى تِيها
دارَ الســـــلام سلاماً! إننـي وَلـِـه ٌ أنا البعيدُ!.. أحقــــاً؟ إنني فيــها!
عاد الوفد الكبير، ورحت ألملم عنهم روائح بغداد الجميلة التي تئنّ تحت مصائب الدنيا كلها، وكتمت ُغصَّتي بصمت.
بعدها بعام عقد اجتماع للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب في دمشق، وبينما كنت في بيتي بلا عمل ثلاث سنوات بعد عودتي من اليمن، وإذا بالباب يُطرَق، كان الوقت في نهاية تلك السنة، والبرد القارس يجمِّد الوجوه، وإذا بصوت عالٍ لصديق سوري يتعالى قبل أن أفتح الباب:
“عندك ضيوف من اليمن!”
كانت مفاجأة جميلة حين عانقت ضيفيَّ: إسماعيل الوريث وسلطان الصريمي، وبعد جلسة لم تَطُلْ أصرَّ الجميع أن أرافقهم إلى الغداء في أحد المطاعم لنلتحق بباقي الوفود.
دخلت المطعم، وسلمت على من أعرفهم بشكل خاص، وفوجئت بأديب عراقي عرفته بشكل عابر، فقلت له: حضرتك مع الوفد العراقي؟، لكنه فاجأني بقوله:
“أنا رئيس الاتحاد”،
وراح يكيل المديح لي، فقلت له:
“لو كنت برأيكم كما تقول لما دعوتم عشرات الأدباء السوريين ولم تتجرأوا على دعوتي.”
حار الرجل بماذا يبرِّر، وادَّعى أنه لا علم له بمجريات الدعوة! ولم نلتقِ بعدها.
ثم انقلبت الحال في بغداد، ففي عام 2010 وجهت الدعوة إليَّ من وزارة الثقافة العراقية للمشاركة في المربد السابع في البصرة، وكانت الأمور وقتها مضطربة، والمفخخات والاغتيالات يومية في بغداد خاصة، ولم يذهب أحد من المدعوين السوريين غيري، ومن العرب شاعر مغربي، وقلت في نفسي ولمن لامني على المخاطرة في الذهاب: ”
لا بأس وليكن ما يكون، أنا ذاهب لأموت في بغداد.”
كنت السوري الوحيد في الطائرة، وأصابتني حالة لا توصف من الشجن عندما حلقت بي طائرة (أجنحة الشام) فوق بغداد التي غابت عن عيني منذ 1982، هبطت الطائرة وقلبي معاً.
لم أستطع، سالت دموعي عندما راحت السيارة تدخل بي بغداد بالسائق والمرافق، التفت السائق نحوي وقال:
“خاف تكون موجوع أستاذ. بيك شي؟”
قلت له: لا…بس بيَّ بغداد، صارلي 28 سنة ما شايفها.
كانت مفاجأة لهما، وحكيت لهما بسرعة عن ذلك، واندهشا، أشرت إلى مبانٍ لم تعد موجودة فلم يعرفاها، كانا شابين بيني وبينهما أكثر من 28 سنة من عمر بغداد.
تلك الليلة لم يغمض لي جفن، جلست، وظللت أنظر من شرفة فندق الميليا منصور بخدماته المتهالكة إلى بغداد حتى الفجر.