بين كورونا وهَراس النابغة!

46

جمعة اللامي /

“مّنْ يملك الصحة يملكُ الأمل، ومّنْ يملكُ الأملَ يملك كل شيء”
( مثال عربي )
زارت الحُمّى مفاصل عظامي في مطالع الشهر الماضي، فقلت اصطبرُ عليها، فالصبر مفتاح الفرج، وبازار كورونا في أوجه، وكنت أجَّلت حمل حمولة من الكتب لتساعدني على الصبر من بينها : “كنز العمال ” للمتّقي الهندي، وكتاب”الغنية” بجزأيه للشيخ الكيلاني، إلى يوم لاحق
وما أن حلّ اليوم الموعود، حتى شعرت أن الحمى تضربني في رأسي، فتذكرت حال “النابغة الذبياني” في قصيدته الشهيرة حول الحمّى، فشمّرتُ قامتي للمصاولة، وحملت حقيبة الكتب، لكنّ فراشي صار هَراساً بعد ساعات.
ويا ليتها لم تزر آخرَغيري أبدا، هذه التي احتجزتني نهاراً وليلةً على فراش من رَملٍ سَخين، يطوف حولي الغيلان، ويُجالسني ذكور الحيتان، فلا أدري إلى أين المفزعُ، ولا أعرف من هو المُرتجى، سوى الله تعالى. لعلها كانت ” الصفراء ” فهذه تمرّ بي من سنةٍ لعشر، فتجعلني حادياً في بيداء، وشارداً في قفر، وتائهاً في صحراء وراقصاً في حفلة زار. وكل قطرة من دمي ترقص، ولا أسمع سوى نداءات أطفال وصبية.
في صبيحة ذلك اليوم انكشف عن بصري بعض الغَمام، فرأيتني في غرفة بيضاء، وهناك من يتلو عليّ سورة ” الإخلاص “. رفعت جسدي خلف كلمات الله، وأُمسكتُ بها كلمة فكلمة، وأُدخلتها بين لحمي وعظمي، حتى ابتردت جَوارحي، وتمكنتُ من التغلّب على “الصفراء”.ثم دخلتُ في نوم لا قِبَلَ لي به: رأيتُ الناس يتصادمون ويضرب بعضهم بعضاً، ويصبّ عليهم ماءً مهيناً عفاريتٌ بذيول سود، ويقرع ظهورهم بالعصيّ غيلانٌ بأبواز خنازير، والكلّ لا يعرف الكلّ، والدنيا بين ليل ونهار، ولا صوت سوى دويّ الصمت، والعويل الداخلي الذي يشبه المطر الأسود.
بعد صلاة المغرب بنصف ساعة، أَفقتُ على رسالة كريمة تقول كلماتها: “غبت عن مجلسي الصباحي هذا اليوم. عسى المانع خيراً !”. وكما حدث حين كنت بين الحياة والموت، أعادتني كلمات الرسالة إلى مناقب العرب والمسلمين في عيادة المريض، وبعثت فيّ أملاً بأن الصفراء أخذت تغادرني رويداً..رويداً.
وبعون الله تخلو ديار الوطن من كورونا وجميع صفراوات الفاسدين والمُفسدين !