تعالوا نغرق ببطء

452

احمد عبد الحسين/

هناك هروب جماعيّ من المعنى إلى الكلام المتّفق عليه، بحيث يبدو كلُّ حديثٍ جوهريٍّ،سقطَ متاعٍ، قديماً، آتياًمن جهة لا نفع لكلِّ ما يأتي منها. لقد جعل الإنترنت كلَّ شيء يُقرَأُ بسرعةٍ فائقة، وخلقَ له كتّاباً يمالئون أعراف هذه القراءة، عجولين، لا ينتظرون أحداً لأنّ لا أحدَبانتظارهم.

الكتابةُ السريعة، ومثلها القراءة الأسرع، تقفز على المعنى، إنها بالكاد تتيح فهم المعاني المبذولة لكلّ كاتبٍ وقارئ. المعاني المطروحة لمنْ هبَّ ودبّ، هي نتاج تسويات وصفقات (صفقات مرتشين) بين قارئ لا يريد أن يرى إلا ما رآه من قبلُ أو ما يتوقّعُ أن يراه، وكاتبٍ لا يرغب بإزعاج قارئه بمعنى عميق.

نزوحٌجماعيّ من الجوهريّ المقلِق إلى أرض الأمان، أرضِ الشعر الذهنيِّ الباردِ المفكَّر به قبل قراءته وكتابته، أرضِ القفشات والتعليقات المضحكة، أرض الاصطفافات العقائدية التي تضعُ قناعَالثقافة على سحنة المهرّج الكئيب. نزوح أشبه بهروب من سفينة موشكة على الغرق.

لم يعدْ أحدٌيريد أن يَقرأ ببطء، ولهذا فإنّ نتاجاً حقيقياً لا يستطيع الحضور في فيسبوك، لأنه سيغدو أشبه بضحكةٍ في مأتم، أو ببكاءٍ في حفلة عرس. ولا يقتصر الأمر على الكون أمام هذه الشاشة الزرقاء، ذلك أن هذا الفضاء يخلق أعرافه على ما نرى، بحيث صارتْ مدوّنات فيسبوك أمثولات و”مراجع” كتابية، بدليل ما نقرأه من شعر ونثر منشورين في كتبٍ ورقية، لكنهما متخلقان بتقاليد هذه السطحية التي توفر اطمئناناً للذهن المُدمِن. كما أن نمطَ قراءةٍ عابراً للمعنى أصبح شائعاً حتى لدى أولئك الذين يكدّسون الكتب.

لكنْ.. كلُّ ما يُقرأ بسرعة لا أهمية له. كل كلامٍ مكتوب بعجالة بغية أن يُقرأ بعجالة هو مبتذلٌ مهما كانت اكسسوراته المعرفية، ومهما كان موضوعه فائق الأهمية.

ما الثمرة من كلّ هذه المدوّنات الشعرية إذا كانت تعيد عليّ الحكايةَ التي أعرفها وأتوقعها؟ ما نفع الكتابة التي تسبح في مألوف الذهن ومألوف الخيال ومألوف اللغة؟

التفكير، كما القراءة والكتابة، فعل لا يتمّ إلا ببطء وطول أناة، وإذا كان دريدا يصلي صلاته الخاصة قبل قراءة الكتاب (إنْ لم يغيّرني هذا الكتاب، إنْ لم يهبني الابتسامة الإلهية أمام الموت، فهو مخفق مهما بدت علائمُ نجاحه) فلأن كلّ كتابة لا تغيّر هي مادة سُمّية تتعاطاها الأذهان المدمنة بانشراح.

ببطءٍ وطول أناةٍ،أنجز الإنسانُ أنفسَ ثمرات عقله، وببطء قرأها.كتبت جوديث بتلر عن هيغل (لا أحد، مهما بلغ من العلم الفلسفيّ، بقادر على قراءة هيغل بسرعة).فماذا نفعل، نحن الذين نريد أن نفهم الجوهريّ؛ سوى أن نصمد في هذه السفينة، سفينة المعنىالموشكة على الغرق.