تعدَّدت الأعسال والسم واحد

42

محسن إبراهيم /

لم يعد عسل السياسة مستساغاً لدى بعض الفضائيات لدسّ السم فيه، فهناك أعسال أخرى هي أكثر حلاوة لدى المتلقي، لتبدأ الانتقال إلى مرحلة أخرى وهي أقرب إلى نفوس الشباب الفئة الأولى المستهدفة لتلك القنوات، وشنَّت حملة تدفق معلوماتي خطير منافية للحقيقة، تسعى عبرها إلى ترسيخ فكرة جديدة لدى المشاهدين؛ مؤداها أن قناعاتكم حول موضوع ما هي إلا قناعات يشوبها بعض الخلل. سواءٌ أكانت قناعات ثقافية أم فنية أم اجتماعية، تلك هي المفاصل الأكثر فاعلية في المجتمع التي طالتها محاولات تضليل المشاهد وتوجيه أفكاره إلى ما تريد أن ترسّخه بعض القنوات، الحملة ليست وليدة اليوم بل انطلقت منذ زمن بخطى ممنهجة ووضعت نصب عينيها استهداف الذائقة أولاً بجرعات البث المركّز ورصد ميزانيات ضخمة للبرامج الغنائية والمنوعة وبرامج الإثارة، في الوقت الذي نشهد فيه تراجعاً في الذائقة الفنية على نحو مستمر، إذ إنَّها لم تفرز أيّ جديد ولم تغيّر في المشهد الإعلامي شيئاً، فالبث الفضائي ذلك العالم الساحر الذي يدخل البيوت والعقول بلا استئذان، أمسى وسيلة توجّه الرأي العام كيفما تشتهي رياح القنوات، وبفضل تطور البث الفضائي وتواصل بثّه على مدار الساعة، أصبح الخطر قائماً على أن يغيّر مجتمعات بأكملها أو أن يمحو قناعات ترسّخت في عقول الناس، فمنذ أن أينعت “البرتقالة” واستوطنت “العقربة” في بستان الأغنية العراقية وصولاً إلى الأغاني التي تستخدم مفردات إيحائية، ومنذ نشوء الظاهرة الشهدية والتبونية في المشهد الشعري العراقي ومقارنتها بتجارب شعرية لكبار الشعراء، ومنذ أن أصبح نصب (الباذنجانة) هو أيقونة فنّ النحت في العراق، فضلاً عن ظاهرة الاستنساخ وخربشة الفرشاة في المشهد التشكيلي، ومنذ أن أبحرت الدراما العراقية في شواطئ بعيدة عن الواقع العراقي، ومنذ أن أصبحت البرامج المنوعة تظهر الفرد العراقي فرداً لا يمتلك من الثقافة شيئاً ولا يفقه تاريخ بلده الثقافي والفني إلا ما ترسّخه تلك القنوات في عقله، في سعي حثيث إلى تغييب الوعي وإحداث برمجة مضادّة، وهنا يكمن السؤال: هل أصبح القائمون على مساحة البث الفضائي في العراق يدركون ما يحصل؟ هل يدركون أنّ الفوضى باتت تتسيّد المشهدالإعلامي؟ الذي انحدر إلى منحى خطير، إذ بات السطحي سائداً، بينما يتقهقر العميق إلى الوراء.