تغييب الوعي

21

د. علاء هادي الحطاب /

كلما ارتفع وعي الفرد بمفهومه العام انعكس ذلك إيجاباً على المجتمع والأمة، كذلك الدولة مؤسساتياً، والعكس إن الوعي إذا انخفض لدى الفرد أثّر سلباً على مجتمعه وبيئته ومجمل تفصيلات حياته، إذ إن الوعي يشكل المحرك والقائد لاختياراته في المسارات والنهج والسلوك والفعل والقرار لتوجهه، فإذا كان واعياً فستكون قراراته محسوبة ومخَططاً لها بشكل جيد، تضمن له في الأقل عدم فوضوية مسارات اتخاذ القرار ونتائجه.
ويأتي الوعي من إدراك ذلك الفرد لما يحيط به بفهم علمي ومنطقي للأشياء نتيجة لكمّ المعلومات والثقافة العامة التي يمتلكها عن إجمالي ما يحتاج أن يعرفه، وهذا الامر لن يأتي حتماً من فراغ، بل من الاطلاع المعرفي والثقافي والفكري، فكلما زاد وعيه لما يحتاج أن يعيه زادت معه ثقافته وفكره واطلاعه.
تجري اليوم وفي السنوات الماضية محاولات مقصودة لتغييب الوعي لدى الشباب وتعطيل الفهم والإدراك بالأشياء لديهم بوعي ومعرفة، وإشاعة ثقافة الوعي الجماعي سواء أكان صحيحاً منطقياً وعقلياً أم لم يكن، محاولات لتعطيل العقل والتفكير لتراجعات قيمية كبيرة تحصل في المجتمع، وبنظرة بسيطة وسريعة عن حالات الطلاق وتزايدها، ومستوى الأمية، وتراجع العلم والمعرفة، فضلاً عن مغادرة ثقافة القراءة والاطلاع مثالاً لا حصراً، يتبين لنا بوضوح مستوى التغييب الذي يُمَارَس للوعي عند الأفراد ثم لدى المجتمع، فهل بتنا نشاهد اليوم أحداً يقرأ كتاباً أو يبحث عن فكرة أو مفهوم سوى المهتمين بهذا الجانب من الأكاديميين وأساتذة الجامعات وطلبة الدراسات العليا ممن يحتاج عمله إلى البحث عن معلومة أو فكرة فقط.
قليلا ما نرى اليوم أفراداً يطالعون كتباً ورقية أو حتى إلكترونية ويبحثون عن أفكار أو تأريخ أو سير أو معلومات يُغنون بها عقولهم.
هنا حتما لا نعمم هذا الحكم، فهناك أفراد ما زالوا يحكّمون عقولهم فيما يريدون اتخاذه من قرارات ومواقف ولا ينتظرونها أن تأتي إليهم معلّبة مزركشة منمّقة وإن كانت غير صحيحة عقلاً ومنطقاً .