تنمية مستدامة

50

د. حسن عبد راضي /

التنمية المستدامة أو ما يصطلح عليها بالـ “Sustainable development” مفهوم جديد ظهر رسمياً أول مرة عام 1987 في تقرير “مستقبلنا المشترك” الصادر عن اللجنة العالمية للتنمية والبيئة التي أُلفت بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وجرى تداول هذا المفهوم عالمياً على نطاق واسع بعد ذلك، وظهرت له تعريفات عدة، لكن أكثرها انتشاراً وتفصيلاً في الأدبيات الخاصة بهذا الموضوع، هو التعريف القائل: “إن التنمية المستدامة هي التنمية التي تُلبي احتياجات البشر في الوقت الحالي دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تحقيق أهدافها، وتركز على النمو الاقتصادي المتكامل المستدام والإشراف البيئي والمسؤولية الاجتماعية”.
حسناً، وما علاقتنا بكل هذا؟ نحن أمة خارج التاريخ، ولن تعنينا حتماً لا التنمية المستدامة ولا غيرها، لأننا في الأصل ليس لدينا تنمية، فمصانعنا متوقفة، ونستورد الإبرة والطائرة، وحبة الطماطم وزيت الطعام الذي نقليها به، قد يقول قائل هذا الكلام، ولا أستطيع الاختلاف معه كثيراً، بيد أن الشعوب الحية لا ينبغي أن تسلم قيادها للواقع مهما كان متردياً، ولابد من البحث عن مخارج لكل الأزمات التي نمر بها، ابتداءً من أصغر شؤون الحياة والمجتمع حتى أكبرها.
تذكرنا حملة عبير القائمة على قدم وساق أن ثمة أملاً قد تبعثه لحظة تاريخية، أو مأساة إنسانية، وما حدث للشهيد عبير الخفاجي كان إحدى تلك اللحظات التي يفقد فيها المجتمع شيئاً من روحه، لكنها تبعث فيه القوة والإصرار على إنجاز شيء ما أو تحقيق حلم كبير ما.
والواقع أن الناس كانوا شبه يائسين من إمكان تغيير الوضع القائم في ما يتعلق بالتجاوزات التي بلغت حداً جعل وجود الدولة نفسه منفياً خارج التاريخ، وأظهرها في أضعف صورها منذ تأسيسها قبل قرن من الزمان، فجاءت الحملة لتثبت أن الإصلاح ممكن مع وجود الحافز من جهة والرغبة الحقيقية الصادقة فيه، وأنه – أي الإصلاح – ليس شأن الدولة ومؤسساتها فقط، بل هو شأننا نحن المجتمع، لأننا نحن من سيتضرر في راهن حياته، ويُهدد مستقبل أجياله مع استمرار الانحدار السابق نحو هاوية الفوضى.
إن الاستدامة هنا تعني أن تستمر الجهود حتى تحقق الحملة أهدافها بإزالة كل التجاوزات التي خنقت حياتنا وحولتها إلى جحيم انفرادي شاسع، مع ضرورة التفكير في وسائل بديلة تعوض الناس الذين قد تهدد الحملة وجودهم، وذلك بأن تستقدم الدولة الشركات العالمية الكبرى، وتشرع في إنشاء مشاريع تنموية وإسكانية كبرى تُراعى فيها ظروف المجتمع العراقي، والمآسي التي عَبَرَها وقدرة سواده الأعظم الشرائية، ليكون ثمة انسجام بين ما نطالب المواطن بالالتزام به من قوانين وتشريعات وأعراف حضارية، وبين ما نقدمه له من فرص وبدائل تجعل حياته على نحو كريم ممكنة، بل واجبة، لكي نضمن حاضراً مقبولاً للعيش، ومستقبلاً واعداً للقادم من أجيالنا.