ثرثرة بترولية!

96

جمعة اللامي /

“كم أتذكر جيداً، التقرير الأول عن مدينة العمارة،
الذي أعطاه لي شقيقي عنها “.
(القسّ الأمريكي مودرياك ــ 1933)

بعد أن فرغتُ من قراءة كتاب الزميل البحريني خالد البسام: “ثرثرة فوق دجلة”، أخذت ذاكرتي تستعيد صورة ذلك الرجل الأشقر، بسرواله القصير، وزوجته القصيرة البدينة، وطفله الذي لم يتعدّ عمره السنوات العشر، وهو يرفع صوته، بينما كان يعبر جسر الكحلاء متوجها نحو مجلة الماجدية: “أحبّوا يسوع المسيح”.
وكنا، نحن فتية محلة الماجدية التي وفد إليها المبشرون الأمريكيون، كما يثبت ذلك الزميل البسام في كتابه الذي يحمل عنواناً إيضاحياً: “حكاية التبشير المسيحي في العراق 1900 ــ 1935” نحب عيسى، ونحب أمه مريم، ولا يكاد يخلو بيت من بيوت القصب والبردي التي كنا نقطن فيها من صورة لهما. وقد وصل هذا الرجل وفريقه إلى العمارة سنة 1895، بعدما لبثوا بالبصرة أربع سنوات، ليؤسّسوا ما كنا نسميّه “المستشفى الأمريكاني” بمحلة عواشة، الذي ضمَّ كنيسة أيضاً، وكانت توجد مكتبة مسيحية على مسافة قصيرة منه.
إنَّ الجهد البحثي الذي بذله الصديق خالد البسام يستحق الثناء، لأنّه تابع الخُطط النشطة لمجموعة من المغامرين والمبشرين الأمريكيين، في بناء “بيئة ثقافية ودينية غير إسلامية” في منطقة عربية ــ إسلامية، أو كما يقول عميد هذه المجموعة، صموئيل زويمر: “إن من بين الدوافع للعمل في الجزيرة العربية أولاً، الأسباب التاريخية، إنّ للمسيح حقّاً في استرجاع الجزيرة العربية. وقد أكدت الدلائل التي تجمعت لدينا في الخمسين سنة الأخيرة أن المسيحية كانت منتشرة في هذه البلاد في بداية عهدها. وهناك دلائل أثرية واضحة على وجود الكنيسة المسيحية هناك، ولهذا فإن من واجبنا أن نعيد هذه المنطقة إلى أحضان المسيحية”.
فكّر الأمريكيون الثلاثة: جيمس كانتين، وصموئيل زويمر، وفيليب فيلبس، بقيادة الدكتور لانسنج، بعد اجتماعات مكثفة ومتواصلة في بداية سنة 1889، باستكمال مهمة “تنصير” المنطقة التي سبقهم إليها الأوربيون، وحطّوا في بلاد الشام، ثم في البصرة، ومنها إلى مناطق أخرى في الخليج العربي، لم تكن تخلو من رائحة البترول!
ويتابع الزميل البسام على اتساع أكثر من 200 صفحة، في كتابة “ثرثرة فوق دجلة” حكاية هؤلاء المبشرين بالعراق، بناءً على مذكراتهم ومراسلاتهم، وحمايتهم من قبل البعثات الدبلوماسية لبلدانهم، ليرسم مشهداً ينبغي أن يعرفه الكبار قبل الصغار، في أيامنا هذه.
وكنت صغيراً عندما ذهبت إلى مبنى “الإرسالية الأمريكية” في العمارة حبّاً بعيسى ومريم، وبعد أشهر طلب منا أحد الأطباء الأمريكيين أن نُصلّي لعيسى ،عندما قال إنَّه يحيي الموتى، فكان جوابنا بصوت واحد : “صَلوات على محمد وآل محمد”!!.